هكذا كان محفوظ / القاضى: باب ولد محمد احمد رئيس محكمة مقاطعة توجنين طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 19 مايو 2013 09:47

سيكتب التاريخ أن السبت الحادي عشر مايو 2013 يوما فقدت فيه الساحة القضائية والعلمية ركنا من أركانها ، وأن الموت غيب فيه رجلا يشكل نموذجا فريدا للقاضي الموريتاني الكفء، بل إن وجود هذا الرجل في تاريخ القضاء الموريتاني يستحق أن يشكل "محطة وعنوان حقبة فيه " لو قدر لهذا التاريخ أن يكتب كتابة علمية رصينة تعتمد منهج "التحقيب" وتنصف "كل" النماذج .

وأنا أعترف أنني لست خير من يتحدث عن فقيدنا المرحوم /محفوظ ولد لمرابط ، ولكنني أدعي وأعتز بأنني تتلمذت علي يديه ، واستفدت من علمه وخبرته ، وقايست منهجه وطريقته ونوعية اهتماماته بآخرين، داخل البلاد وخارجها فأدركت قيمة الرجل وعلو مكانته .
لقد كان الفقيد حافظا سريع الاستحضار لمتون الفقه وأصوله وقواعده ، فهو مولع شديد الإعجاب بدقة تعبير خليل في مختصره ، وبطريقته في جمع المعاني الكثيرة ، والإيماء إليها بالألفاظ الموجزة الدالة ، وقد امتزج هذا المختصر بنفس الفقيد وأخيلته فاصطبغ به أسلوبه في مذكراته و أحكامه ، و حتي في خطاباته الرسمية ، وهو حافظ للمختصر مدرك لدقائقه ، مطلع علي مختلف شروحه ، ويفضل بعضها علي بعض ، وقد سمعته مرة ينوه بحسن توجيه وتعليل الحطاب والبناني وجودة درايتهما ، وما زلت أكتشف صدق هذه الملاحظة ، وأعجب من دقتها ، وقد أوردها هو -عَرَضا – علي البديهة.
والفقيد يحفظ مرتقي الوصول لابن عاصم حفظا متقنا ، مع اطلاعه علي مختلف المصادر والمراجع في أصول الفقه قديمها وحديثها ، فهو يقرأ المصادر الأصولية المرتبطة بجمع الجوامع كشرح المحلِي وحاشية البناني ومراقي السعود وشرحه، إلي أن يصل إلي محمد أبي زهرة وعبد الوهاب خلاف ، وأضرابهما، ولن أنسي صورة غلاف كتاب "المناهج الأصولية" لعلامة العراق : فتحي الدريني وهو ضمن كتب مصفوفة مقربة في بيت فقيدنا ليلة وفاته ، مما يعني أنه كان مهتما به في أواخر أيامه ، وهو كتاب هام في التعريف بمدارس الأصول ، وتقييم كتبه، 
والفقيد خبير بقواعد الفقه المالكي، حافظ لمنظومة المجاز الواضح للعلامة محمد يحي الولاتي ، وهي أجمع المنظومات في قواعد الفقه وأكثرها تحريرا ، وله اهتمام بفروق القرافي وتحرير الإشكالات عند مضائق النظر بين القرافي وابن الشاط ، ويعجبه ذكاء الرجلين ، ودقة مأخذ كل منهما ، وقد سمعته يحدث أنه ذات ليلة أصيب بأرق نتيجة مضاعفات صحية ، فتناول كتاب الفروق للقرافي ، ووقعت يده علي الفرق الرابع والعشرين والمائتين وهو حول الفرق بين قاعدة الحكم وقاعدة الفتوي، وقد فرق فيه القرافي بينهما بأن الحكم كالنص الخاص من الله تعالي في عين النازلة ، وأن الفتوي كالنص العام ، وهو ما اعترضه ابن الشاط بقوة قائلا < لا كلام أشد فسادا من كلامه في هذا الفصل > وذهب كل منهما يستدل لوجهة نظره ، وهنا انبري فقيدنا لفض الاشتباك بين سميريه من وراء القرون ، فنسي همومه، وكشف ما به من ضر ، وهي قصة تذكرني بقول أحد العلماء :
إذا جلت فكرا في العلوم عويصها وجئت بما يشفي غليل مريدي
تصاغرت الدنيا لدي وأهلها ومادت بي الأفراح كل مميد
وقد أمدته معرفته بالفروع بفهم عميق للقواعد ’ ومدي انطباقها علي جزئياتها ’ والنفوذ إلي معرفة التطبيقات والمستثنيات ، ولا زلت أذكر درسا له تعرض فيه للفرق بين الثبوت والحكم، وأوضح رأي القائلين باتحادهما ورأي القائلين بتغايرهما ، وبين أن الثبوت لا يترتب عليه أثر إن لم يبن عليه حكم ، وهو أمر معروف ، غير أن ما انفرد أستاذنا بالتنبيه عليه هو أنه يستثني من ذالك خيار النقيصة ، واستشهد بقول خليل < ودخلت - يعني السلعة المردودة بعيب - في ضمان البائع إن رضي القبض أو ثبت عند حاكم وإن لم يحكم به >وهو نص في المسألة ، وقد غاب عن جميع شراح المنهج كالمنجور والسجلماسي وابن أحمد زيدان، رغم اهتمامهم بنصوص المختصر، وهو حاضر في بديهة أستاذنا لا يحتاج فيه إلي تأمل .
وللفقيد اطلاع علي مختلف العلوم الشرعية كأدلة العقائد والتفسير والحديث ، فهو حافظ للقرآن الكريم ، وقد أخذ عن عالم التفسير المغربي الشهير الشيخ المكي الناصري ، وهو مهتم بعلمي النحو والصرف ، ويتتبع التراكيب والجموع المستحدثة ، فيبين صحتها أو فسادها ، وينبه علي الأخطاء الناتجة عن الترجمة المعيبة ، ولا يصدر عنه إلا كلام معرب بعيد من اللحن ، وهو من القانونيين القلائل الذين يهتمون بإشكالات الثقافة والحضارة ، وهو علي دراية ومعرفة تامة بالتاريخ الإسلامي رجالا وأحداثا ، وتاريخ البلد وأنساب قبائله قديما وحديثا.
والفقيد إلي جانب معارفه الشرعية واللغوية والتاريخية والفكرية الأصيلة، أحد أعلم الناس بأصول الفكر القانوني الحديث ، وهو عالم متمكن في عدة فروع من القانون، فهو خبير بالقانون الجنائي بقسميه : العام والخاص، يحدثك عن عناصر كل جريمة وأركانها ، وشروط وموانع العقاب عليها ، وهو عارف بالقانون المدني مقدمته ومبادئه ، ونظريته العامة وعقوده المسماة المختلفة ، أما قوانين الشكل فلا يشق له فيها غبار ، وأنا أعتقد أنه فاق فيها أستاذيه المشهورين: علامة الشام مأمون الكزبري ، وموسوعة المغرب : إدريس العلوي العبدلاوي ، فلقد قرأت كتابهما وكتابات آخرين غيرهما في مصر والمغرب ، فلم أجد فيها عمق ولا دقة ما يكتبه ويشرحه فقيدنا ، وقد تبين لي أنه "يكتب علي بياض" كما يقال ، وأن ما يدرسه ويمليه هو نتاج فكره وتأملا ته ، وأنه قد أحاط بالفقه الإجرائي وتسنم ذروته ، فأصبح يورد عصارته خالصة سهلة بأحسن ترتيب ، لا يحتاج إلي نقل ولا اقتباس ، وأن مذكراته هي خلاصات مركزة لقراءات مطولة .
والفقيد رغم علمه بالقوانين الوضعية يكرهها ، ولا يحب تحكيمها ، ويتحدث عن مفكريها لكن دون رضا ، وأتذكر أنه كان يحدثنا عن "نظرية المرفق العام" عند العميد "ديكي" فيتسخط كلما ذكر اسمه ، وقد قام بجهد مشكور في عدم تحكيم القوانين الوضعية واستبدالها بالفقه الإسلامي ، نسأل من لا يضيع عمل عامل أن يتقبل منه ، وهو لا يهتم إلا بالقوانين الإجرائية ، ويستشهد بمقولة الفيلسوف الألماني الشهير"اهرينغ" الشكل توأم الحرية لأنه عدو التحكم ، وهذا الاهتمام يدل علي تبصره وحسن اختياره ذالك أن الفقه الإسلامي متفوق علي القوانين الوضعية في الجوانب الموضوعية ، وقد كان متفوقا عليها في الجوانب الإجرائية أيضا قبل أن يسود التقليد ، ويتخلف الاجتهاد الفقهي عن مسايرة تطور العلاقات الاجتماعية ، وسيرورة البني والنظم الإدارية في المجتمع الحديث ، فلم يكن هناك بد من الاقتباس من التشريعات الإجرائية الأجنبية بوصفها حكمة تنظيمية، والحكمة ضالة المؤمن ، هذا بعد تهذيبها وملاءمتها مع روح الشرع، وتنقيتها مما قد يعلق بها من رواسب المنبت ، وهو جهد بدأه أحد علماء تونس هو الشيخ عبد العزيز جعيط في كتابه : "الطرق المرضية في الإجراءات الشرعية" وتبعه غيره ، وقد بلغ فيه الفقيد شأوا بعيدا ، وأعتقد أننا –معاشر طلابه- لو جمعنا ما بأيدينا من مذكراته، وما في أذهاننا من إفاداته ، لجمعنا من ذالك فقها كثيرا لا يهتدي إليه غيره .
والفقيد ناقد بصير بكتب القانون يدرك بألمعيته وجودة قريحته مدي وضوح الفكرة العلمية في أذهان مؤلفيها من خلال الأسلوب وطريقة العرض ، ويرشد طلبته إلي جياد الكتب وينوه بها ، وقد كان نعم المرشد والدليل ، فلا ينوه بكتاب وتقرؤه إلا وجدته كما قال، وأذكر أنه كان يرشدنا إلي أن نقرأ كتب الدكتور رءوف عبيد في القانون الجنائي والإجراءات الجنائية وكنت إذ ذاك أقرأ لغيره فاهتممت بقراءة كتبه ، وقد أدركت الفرق بنفسي ، ويعلم الله أني كنت أذكره وأدعو له كلما طالعت كتبه ، ووقفت علي آبدة في : "مبادئ التشريع العقابي المصري " أو دقيقة في "ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية "’ أو نكتة في "جرائم الإعتداء علي الأشخاص والأموال" ، وكان يرشدنا إلي أن نقرأ في القانون والقضاء الإداريين كتابات أستاذه الدكتور:طعيمة الجرف فظفرت بكتابه حول خضوع الدولة للقانون ، فعرفت أن أستاذي ملهم مسدد.
وللفقيد عناية خاصة بنصوص القانون الموريتاني بمختلف درجاتها، من الدستور إلي التعميمات ومذكرات العمل التي تهم أو تفيد في العمل القضائي ، هذا فضلا عن التشريعات والمراسيم والمقررات ، وكل القوانين التي سبق أن كانت نافذة أيام الاستعمار ، ولم تلغ ، فهو يهتم بها ، والنسخة العربية الوحيدة الموجودة من مرسوم تنظيم الملكية العقارية في إفريقيا الغربية الفرنسية مستنسخة من نسخته ، وعليها خطه وتعليقاته ومقارناته ، وقانون نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة ، والمرسوم المطبق له، الذي كان نافذا أيام الإستعمار ، والمرسوم المنظم للتوثيق ، الذي تخضع لأحكامه كل الوثائق التي سبقت 1999 تاريخ صدور النظام الأساسي للموثقين الحالي ، لا توجد كل تلك النصوص في حدود علمي واطلاعي إلا عند الفقيد، وترتسم في ذهني الآن ورقات مصورة من الجريدة الرسمية شاهدتها بحوزته بعضها يحتوي علي مدونة المعادن السابقة وبعضها يحتوي علي مرسوم مطبق لها يتعلق يتنظم استغلال المناجم والمقالع ، وكلا النصين مطرز بخط الفقيد ، وعليه ملاحظاته وتعليقاته ، فتعجبت من شمول اهتمامه وشدة حرصه ، إنني أعتبر وفاته يتما لنصوصنا القانونية عامة ، وضياعا لجزء كبير منها، 
وللفقيد أسلوب مميز في تحرير الأحكام نابع من خبرته وسعة باعه في مختلف العلوم، إضافة إلي حدة فهمه وحسن تصوره للوقائع التي يريد تطبيق القانون عليها ، وأنا لم أطلع إلا علي عدد محدود من أحكامه ، لكنني أشهد أنما اطلعت عليه منها كان مبهرا ، وينم عن بذل مجهود لا مزيد عليه ، فهو يقدم الوقائع و يسردها سردا أمينا دقيقا بعيدا عن التشويه لا يبخس فيه طرفا حجة ، ثم يبدأ في الرد علي الدعاوي والدفوع ، ويعلق علي وسائل الإثبات المقدمة ، ويقدر قيمتها ، ويوضح لم قبل ولم رفض ؟ بما قد تتفق معه وقد تختلف ، لكنه سينتزع إعجابك في كلا الحالين، وأذكر حكما له يتعلق بمسطرة فيها طعن بالتزوير ، في وثائق قديمة العهد ، ومسطرة التزوير والتحقيق فيه معقدة – كما هو معلوم – وتعتمد علي القرائن التي هي استخلاص مجهول من معلوم ، ولا زلت أتذكر كيف استخلص قضاءه ، واقتنص المجهول من المعلوم ببراعة ، كما أنه ناولني ذات مرة حكما قد أصدره ، فذهبت لأقرأه وعدت إليه معربا عن إعجابي به ، فقال لي لقد كنت أغرق في عملي ، وصدق ، فهو حكم متقن مرصوص ضافي الأدلة والأسباب ، وأنا أعتبر قراءة أحكامه ودراستها واجبا مهنيا ، ملزما لكل قضاة موريتانيا، فهي كنوز معرفية مهنية عالية القيمة،
أما منهج الفقيد في التدريس وتعامله مع طلابه ، فهو منهج فريد يتمثل في تقديم مادة علمية رصينة ، يشعر الطالب عند تلقيها بما يسميه أبو إسحاق الشاطبي " نشوة الإستيلاء علي المعرفة" ، ويدرك أنه ظفر بالكنه ووصل إلي العمق ، ويذوق برد العلم والصواب في حلقه المعرفي ، كما قال ابو العتاهية :
تمسك بالصواب ولا تدعه فإنك كلما ذقت الصوابا
وجدت له علي اللهوات بردا كبرد الماء حين صفا وطابا 
وهو ناصح لطلابه ، ومن تمام نصحه لهم أنه لا يحصرهم فيما يقدمه، بل يرشدهم ويوجههم إلي مطالعة الكتب في المادة المدروسة ، ويلح عليهم قائلا : لا تجيبوني بما أمليت في المذكرة ، لأن ذالك سيكون حسن قضاء ، وأنا لم أقدم لكم دينا لتردوه إلي ، إنني أريد إضافات وملاحظات، وتصرفا من الطالب في إجابته ، ويجد الطلاب الذين امتثلوا أمره مصداق قوله في نتائجهم ، ومن عجيب منهجه التربوي أن الحصول علي المعدل والنقاط المتوسطة عنده أمر ميسور ، أما النقاط والعلامات العالية فهي محتكرة لباذلي الجهد ، ومن طالعوا كل الكتب في المادة تقريبا ، وهو يصدر في كل ذالك عن وعي وروية ، عكس ما يتوهمه بعض الطلبة الذين لم ينتبينوا طريقته ، وهو لايختبر الطالب في حفظه المجرد ، كما لا يحرمه من استغلال محفوظاته ، فيقدم أسئلة تحمل معني دقيقا يدركه الفهم ، ويخيل للحافظ أن له نوع ارتباط بما حفظه ، فيكتب ما عنده ، وهذا المنهج التربوي الفريد يزينه تواضع جم ، ودعابة وبشاشة لا تفارق محياه ، رحمه الله .
إن مثل الفقيد محفوظ ولد لمرابط لا يجوز أن يرحل دون أن يخلد ذكره ، ولا يصح أن يفرط في تاريخه وإرثه ، لذالك فإنني أدعو طلابه ومحبيه إلي جمع مذكراته ، وأدعو أسرته وذويه إلي إخراج ما تركه من مؤلفات ، فقد كان يحدثنا عن كتاب في وسائل الإثبات ، وأنه أوشك علي إنهائه ، وكان يحدثنا أنه يعتزم وضع شرح لقانون الاجراءات المدنية ، كما أدعوهم إلي جمع أقضيته وترتيبها وإخراجها في أقرب وقت ممكن ، وأدعو زملائي في جمعية قضاة موريتانيا إلي إفراده بعدد خاص من مجلتهم "رسالة القضاء" ، يستكتب فيه من عايشوه عن قرب وعملوا إلي جنبه ، كما ألتمس إطلاق اسمه علي احدي قاعات المحكمة العليا ، وأحد مدرجات المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، وتأسيس مكتبة للمطالعة العامة تحمل اسمه ، وذالك أقل القليل في حقه .
رحم الله فقيد العلم والقضاء ، وأستاذ الأجيال محفوظ ولد لمرابط ، وأسكنه فسيح جناته ، وبارك في عقبه وذريته من بعده، وجمعنا به في مستقر رحمته . 
إنا لله وَإنَا إلَيْهِ راجِعُونْ "

 
 
 

نصوص قانونية

المعالجة القضائية لنزاعات الضمان الاجتماعي

بحث

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

تابعونا على تويتر