التحفظ على واجب التحفظ/ مولاي اعلي ولد مولاي اعلي

التحفظ على واجب التحفظ:
يعتبر خضوع الدولة بحكامها ومحكوميها للقانون هو ما يجسد دولة القانون والحريات التي كرست الدساتير أسسها و مبادئها العامة مؤكدة على صيانة الحقوق و الحريات احتراما وتجسيدا لسيادة القانون. ولم يكن الدستور الموريتاني بدعا من الدساتير حين حرص -في ديباجته- على تأكيد ضمانه للحقوق والمبادئ والحريات، ثم نص في مادته العاشرة على أنه “تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية وعلى وجه الخصوص…حرية التعبير…
لا تتقيد الحرية الا بالقانون”.
ويقصد بالقانون مجموع القواعد القانونية الموضوعة من قبل والتي دخلت بالفعل حيز التنفيذ( تخرج بذلك المشاريع والمقترحات فلا تسمى قانونا). واحترام احكام القانون وسريانه على الكافة هو مايعبر عنه بسيادة القانون ويحكمه مبدأ الشرعية.
إن التسليم بأن الدستور الموريتاني ضمن حرية التعبير لكافة المواطنين يتضمن بالاستغراق ضمانه لحرية التعبير للقضاة، وإن لم يفرد لها نصا خاصا خلافا لبعض الدساتير كالدستور المغربي الذي افرد المادة 111 منه لتأكيد ضمان حرية التعبير للقضاة.
لا جدال في ان الحرية تتقيد بالقانون وهو ماعبرت عنه المادة 10 من الدستور بقولها: “…لا تتقيد الحرية الا بالقانون ( الا اداة حصر)، ولإن كان القانون الأساسي لموظفي الدولة و وكلائها وضع من خلال مادته السابعة قيودا على الموظفين بإلزامهم بواجب التحفظ، الا ان هذا القيد له دلالته القانونية والفقهية والتي ينبغي الوقوف عندها بحزم وجزم؛
ظهر مصطلح “واجب التحفظ” أول ماظهر في قرار للقضاء الإداري الفرنسي سنة 1935 في القضية الشهيرة بقضية وكيل اشغال عامة (تونسي)، و يعني واجب التحفظ التزام الموظف العمومي باحترام سلطة الدولة وامتناعه عن ابداء أي رأي من شأنه المساس بالمرافق العامة او اعاقة نشاط الادارة وأن يلتزم بالحياد و الوقار والشرف وفق ماتمليه عليه وظيفته وما يليق بها.
فواجب التحفظ المفروض على القضاة فرع من أصل عام يفرض التحفظ على جميع موظفي الدولة بدون استثناء، وقد فضلت بعض الدول افراد القضاة بنص خاص كما فعلت فرنسا من خلال المرسوم 1270-58 بتاريخ1958/12/22، والمغرب من خلال الظهير الشريف رقم 1-74-338 بتاريخ 11/1!/1974 أما النظام الأساسي للقضاء الموريتاني، سيئ الصيت، فذكر واجب التحفظ قارنا بينه وبين الاستعراضات ذات الطابع السياسي، وذلك من خلال الفقرة الرابعة من المادة14 والتي تقول:”تحظر كل تظاهرة معادية لنظام أو شكل الحكومة وكذا كل استعراض ذا طابع سياسي يتعارض مع التحفظ الذي تفرضه الوظيفة”، ثم تأتي المادة 20 من نفس النظام فتحيل على القانون الأساسي للموظفين و الوكلاء العقدويين للدولة.
يؤدي القاضي عند تعيينه القسم على احترام القوانين والحفاظ على السر المهني والإلتزام بالتحفظ والشرف والنزاهة التي تتطلبها الوظيفة القضائية، كما نصت عليه المادة 11 من النظام الأساسي للقضاء، وبذلك جمعت المادتان (11 و 14) بين واجب التحفظ الوظيفي و واجب التخفظ الشخصي كما يسميهما الفقه. فالتحفظ الوظيفي هو الزام القضاة- جالسين و واقفين- بالامتناع عن اتخاذ المواقف العلنية في المسائل المنظورة أمام القضاء، وأن لا يقدموا رأيا استشاريا ذا طابع خاص وأن يمتنعوا عن القيام بأي نشاط من شأنه التأثير على أي قاض آخر، و أن لايصرحوا أو ينشروا ما من شأنه زعزعة الثقة في حياد القضاء وتجرده ونزاهته.
وضمان حياد القاضي هو ما أشار اليه ابن عاصم بقوله:” ومنع الإفتاء للحكام..في كل مايرجع للخصام”.
أما التحفظ الشخصي فيعني حظر القيام بأي نشاط سياسي او القيام بالتعبير العلني عن الولاء السياسي لأي جهة كانت لما في ذلك من مساس بشرف وكرامة القاضي واستقلاله وحياده.
فواجب التحفظ يراد به إذن ضمان استقلال واحترام وحياد القاضي، ولا يعني أبدا مصادرة حقه في التعبير والذي كفله له الدستور ومبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة الفضائية خاصة مبادئ ميلانو و بانغالو والتي اعطت جميعها الحق للقاضي في التعبير عن رأيه وقناعاته بأي وسيلة يراها مناسبة بشرط المحافظة على هيبة المنصب القضائي وبما يضمن استقلال وشرف وحياد القضاء.
ولعل الفقرة الثالثة من المادة 14 من النظام الأساسي للقضاء جاءت لتنظيم و ضبط حرية القاضي في التعبير، فقررت أنه “يجوز للقضاة دون اذن مسبق القيام بأعمال علمية أو أدبية أو فنية ويحظر عليهم التطرق في الصحف والجرائد لمواضيع غير التي لها طابع مهني أو فني…”.
قد يفهم من جواز القيام بالأعمال العلمية و الأدبية حظر نشرها، وقد يفهم من حظر التطرق في الصحف والجرائد للمواضيع المحظورة جواز التطرق لها في الوسائل الاعلامية الأخرى. وهو فهم لعمري سقيم، فالفهم الصحيح المنسجم مع المبادئ القانونية وروح القانون وغايته( منطوق النص القانوني ومفهومه ودلالات ألفاظه، وبالبحث عن ارادة المشرع وفق طريقة مدرسة الشرح على المتون ) هو جواز قيام القاضي دون الحصول على اذن مسبق بأعمال علمية أو أدبية أو فنية ثم نشرها بأية وسيلة كانت، وحظر نشر مواضيع لا تكتسي طابعا مهنيا أو فنيا أو أدبيا أو علميا بأية وسيلة كانت.
والخلاصة ان واجب التحفظ يمنع القاضي من ابداء رأيه في الملفات المعروضة أمام المحاكم ويمنع عليه الخوض في السياسة، ويوجب عليه الحفاظ على الشرف والنزاهة والرزانة.
غير ان واجب التحفظ لا يمنعه من ابداء رأيه حول التشريعات القائمة والاختلالات التي تشوبها وابداء رأيه حول مشاريع القوانين، ومناقشة كل ماله “طابع مهني” مع ما قد تثير هذه العبارة من اختلاف حول مدلولها وضوابطها.
لقد تغير العالم و تغيرت المفاهيم كثيرا وما مواقع التواصل الإجتماعي سوى تجسيد لهذا التغير، فقد حوت هذه المواقع من صفحات القضاة من كل فج عميق، ومن كل جنسيات العالم ( المتقدم والسائر في طريق النمو) ماتنوء بحمله الجبال، لكن كتاباتهم محكومة بقوانينهم كما نحن.
—————————————————
* عندما لا تجد المظالم آذانا صاغية تضيق صدور أصحابها فتجهر بها، والناس في ذلك طرائق قددا.
” لايحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا”
صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: