كلمة القاضي احمد ولد الب في ندوة العلاقة بين الصحافة والقضاء

السيد نقيب الصحفيين الموريتانيين السادة مدراء ورؤساء الهيئات الإعلامية السادة المدعوون الكرام.
يسعدني أن أحضر معكم هذه الندوة بصفتي ممثلا لنادي القضاة الموريتانيين، وذلك تلبية لدعوة كريمة من النقابة الوطنية للصحفيين للمشاركة في هذه الندوة المنعقدة تحت عنوان العلاقة بين القضاء والصحافة في دولة القانون.
السيد النقيب إننا في نادي القضاة الموريتانيين لنثمن عاليا مبادرتكم لعقد مثل هذه اللقاءات والتي نعتبرها ضرورية لتبديد سوء الفهم القائم بين رجال القضاء والإعلام ورفع اللبس الذي يحجب الرؤية عن الطرفين في فهم مضامين القانون الذي يحدد العلاقة بين السلطتين وذلك لإيماننا أن القضاة والإعلاميين يجب أن يكونوا شريكين في تكريس قيم الديمقراطية وتطبيق العدالة وتحقيق الإصلاح المنشود , ومما لا شك فيه أن ذلك لن يتأتي لنا إلا بضمان وصون حرية الرأي والتعبير والتي تعتبر من الحريات الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية بدء من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا عديد المعاهدات الدولية الأخري ذات الصلة
ومن أساليب ممارسة حرية الرأي والتعبير، الصحافة التي تعبر عن ما يدور في المجتمع وتؤدي بصفة عامة دورا حيويا في تكوين وتوجيه الرأي العام والتأثير فيه، كما تؤدي دورا اجتماعيا هاما من خلال نشرها للجمهور الأمور التي تهمه سواء كانت داخلية أو خارجية فضلا عن توعيته وتثقيفه ، كما أنها تساعد الدولة في الوقوف على رغبات الشعب واتجاهاته وميوله الأمر الذي يدفعها إلى توجيه سياساتها بما يتفق مع رغبات وميولات شعبها.
وعلى هذا الأساس تمثل حرية الصحافة أحد ركائز الحكم الديمقراطي في دولة القانون لما لها من دور فاعل في حياة كل مجتمع باعتبارها أضحت مؤشرا في العديد من القرارات والمتغيرات.
غير أنه وعلى رغم الأهمية البالغة لحرية الصحافة فإن هذه الحرية كغيرها من الحريات، لا يمكن أن تكون مطلقة وإلا انعكست إلى فوضي وحملت في طياتها البغي والعدوان على مصالح وحريات الآخرين ، الأمر الذي يقتضي تنظيمها وتقييدها بالقواعد والحدود التي يرسمها القانون ، وعلى هذا الأساس حرصت مختلف التشريعات على تنظيم قطاع الصحافة حتى لا تستعمل هذه الحرية كوسيلة الارتكاب الجرائم ، وعلى هذا النهج سار مشرعنا الوطني .
فجاء الأمر القانوني رقم 017/2006 منظما لحرية الصحافة والتعديل المجرى عليه وكذا القانون رقم 054/2011 الصادر بتاريخ 24/11/2011 ، والذي ألغى المواد 45.44.41.40.36.35 فاسحا بذلك المجال أمام مزيد من حرية الرأي و التعبير
وإذا كان الأصل أنه لا يجوز تقييد حرية الصحافة والإعلام حتى يظل عطاؤها متدفقا دون انقطاع ، فإن ما نشاهده اليوم من تجاوزات خطيرة ازدادت ضراوتها حتى أصبحت تهدد رجال الإعلام أنفسهم ، وتهدد أمن المجتمع ومقوماته وقيمه وأخلاقه وتهئ الناس للوقوع في المغالطات، لتبرر بجلاء ضرورة إنفاذ القانون ، إذ لا يعقل أن تكون حرية الرأي والتعبير سببا للإفلات من العقاب أو مبررا للنهش في أعراض الناس والدعوة للفجور والإبتزاز والمساس بالأخلاق والقيم، والذي يقلقنا حاليا ويقلق المجتمع بأسره هو استمرار هذه الحالة تصاعدا دون وقفة موضوعية لتأمل حال الصحافة والإعلام لتصحيح المسار مما يزيد من حالة القلق والخوف على مستقبل حرية الصحافة والإعلام.
ومن مبررات قلقنا المشروعة ماتقوم به بعض وسائل الإعلام من نشر لأخبار وتحقيقات وتحليلات حول القضايا التي ينظر فيها القضاء مما ينعكس سلبا على سير إجراءات المحاكم، خصوصا إذا علمنا أن العديد من الأشخاص العاديين ومن الهيئات أصبحوا يلجئون إلى نشر معلومات عن قضاياهم عبر وسائل الاعلام عن عمد من أجل تحسين وضعهم في القضايا، أو لجوء الصحافة من تلقاء نفسها إلى نشر القضايا وخاصة القضايا الجنائية إما من منطلق السبق الصحفي، وإما من منطلق الرغبة في توجيه حكم القضاء نحو الاتجاه الذي ترغب فيه هي أو الجهة التي تدافع عنها .
إننا نرى بأن علاقة الصحافة بالقضاء يجب أن تساهم في ضمان وترسيخ ودعم مبدأ استقلال السلطة القضائية عن باقي السلط بما فيها سلطة الإعلام نفسه، وذلك بالإبتعاد عن كل ما من شأنه أن يخلق نوعا من البلبلة لدى الرأي العام، قد تكون من نتائجه زعزة ثقة المواطن في نزاهة القضاء واستقلاله وهو أمر سوف لن يضر فقط بعدالتنا التي يسعي الكثير من رجالاتها للنهوض بها , وجعلها في في مستوي تطلعات جميع المواطنين، وإنما سيضر أيضا بالرسالة الإعلامية السامية المطوق بها كل صحفي ألا وهي مساعدة الرأي العام على تكوين فكرة موضوعية حول القضاء، والمساهمة في مساعدة القضاء علي ضمان حقوق أطراف الدعوى من جهة، وتجسيد إعلام يرتكز على مقومات النزاهة والحياد والموضوعية في التعامل مع القضايا المعروضة على القضاء، حتى نساهم معا في زرع وتثبيت ثقة المواطن في قضائه وتعزيز ورفع منسوب احترام استقلاله، لأنه بالنهاية لا يمكن لبلدنا أن ينهض ويتقوى اقتصاديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا من دون إعلام قوي ونزيه ومحايد وقضاء نزيه وقوي ومستقل.
وقبل أن أختم كلمتي هذه أتوجه بالدعوة لكم السيد نقيب الصحفيين الموريتانيين وإلى نظرائكم في الهيئات الإعلامية المماثلة وكذلك الفاعلين الجادين في مجال الصحافة والإعلام ، إلى العمل معنا في نادي القضاة الموريتانيين إلى إخراج دليل عمل يتضمن قواعد نموذجية لتعاطي الإعلام مع القضايا المنشورة أمام القضاء وذلك لضمان حق الصحافة والإعلام بالتواصل مع مسؤلين معينين من القضاء للإجابة عن الأسئلة التي تهم الشعب، والتي لا مصلحة للقضاء في إعطاء الانطباع أنها مخفية وغير شفافة .
وفي الختام أجدد إلتزامنا في نادي القضاة الموريتانيين بمد جسور التواصل مع المؤسسات الإعلامية وشرح الإشكالات المطروحة، وتنوير الرأي العام دون المساس بالسرية التي تقتضيها القضايا في بعض مراحلها .
عن نادي القضاة الموريتانيين
القاضي أحمد ولد ألبو رئيس محكمة مقاطعة السبخة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: