الجريمة المستباحة : القاضي محمد ولد الطاهر

 

تعتبر ظاهرة الجريمة المستباحة من أشد العوامل فتكا بثقة المواطن في القضاء.
ولقد تناول المشرع الموريتاني في المادة 336 من أمره القانوني ذي الرقم 162 الصادر بتاريخ 9 يوليو 1983 جريمة إهمال وترك الأسرة بذات الأسلوب التجريمي والعقابي الذي تناول به جريمة إصدار شيك بدون رصيد في مادته 964 من قانونه ذي الرقم 05 بتاريخ 18 يناير 2000 .
وعبر التاريخ التشريعي ظلت النفقات الأسرية محل حماية خاصة، وذلك من لدن صحف إبراهيم وموسى لغاية اتفاقيات جنيف المنظمة لمعايير العمل والأوراق التجارية، كل ذلك نظرا لمساسها في نفس الآن بعدة كليات مشمولة بالحماية.
ولئن حرص المشرع الموريتاني على حماية هذا الحق وتجريم المساس به سيرا على ما سلف من تشريعات سماوية ووضعية، فإن الممارسة العملية للنيابة العامة في بلادنا لا تعطي لجريمة إهمال وترك الأسرة مستحقَّها من الردع والتصدي .
وذلك في الوقت الذي يكون فيه ضحية جريمة إصدار شيك بدون رصيد – بحكم طبيعة الشيك – شخصا واحدا طبيعيا أو اعتباريا.
بينما تقع جريمة ترك الأسرة في الغالب على عدة ضحايا في نفس الوقت من الفئات الهشة، ومن ثم فهي جريمة قلّما تنفك عن ظروف التشديد.

ولا يحتاج المتابع في بلدنا كبير جهد ليلاحظ أن واقعة إهمال وترك الأسرة تنتشر في بلادنا على مساحة أوسع بكثير من تلك المساحة التي تغطيها جريمة إصدار شيك بدون رصيد .
ولن يلقى كبير عناء أيضا ليكتشف أن متابعة النيابة العامة لجريمة إهمال وترك الأسرة في أحسن الحالات لا تكاد تغطي 0.1% من هذه الحالات.
بينما تطال متابعتها في جريمة إصدار شيك بدون رصيد أزيد من 90% من حالاتها.
ويظهر جليا هنا حجم الكارثة الاجتماعية التي تصيب المجتمع في مقتل، جراءَ حرمان المرأة الأمّية الضعيفة العائلة المرضع من حقها في مقاضاة زوجها المنتهك حقَّها وحقَّ أولادها على حساب المصاريف الجنائية للخزينة العامة للدولة، في حين يستفيد التاجر ورجل الأعمال من ذلك الحق.
وهكذا وبعد أن يمتنع الزوج – وبدون عذر – عن نفقة زوجته وأولاده تحدٍّيا للدين وللقيم الإنسانية وإضرارا بالمجتمع وأمنه، تجد المسكينة نفسها مذودةً عن حياض الدعوى العمومية المجانية، مجبرة على تجشم القضاء المدني، حيث لا مساعدة قضائية، وإنما فاتورة ضخمة من مصاريف الإجراءات والتبليغات على حسابها الذي لو كان به مبلغ يوم ما لجأت إلى مقاضاة زوجها .
وبكلمة واحدة فإن ترك الأسرة جريمة عاقبها القانون الجنائي الموريتاني، ومن ثمّ فإن العدل إن لم يقتض التشدد واليقظة في مواجهة الجرائم المركبة ذات الأضرار الاجتماعية، فإنه يقتضي – على الأقل – المساواة في متابعة الجرائم المشمولة بقانوننا الجنائي، لتتمكن الزوجة حاملا ومرضعا من مقاضاة زوجها على نفقة المصاريف الجنائية تماما كما يقاضي رجل الأعمال غريمه على ذات المصاريف.
وذلك أضعف الإيمان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: