دية المراة فى الشريعة الاسلامية

  دية المرأة في الشريعة الإسلامية  / الدكتور يوسف القرضاوى   المقدمة رأي الجمهور في دية المرأة دائرة مفتوحة قابلة للتجديد والاجتهاد ودائرة مغلقة لا تقبل اجتهادا ولا تجديدا تشريع كان في الجاهلية وأقره الإسلام نظرة في المصدر الأول (القرآن) نظرة في السنة النبوية نظرة في الإجماع نظرة في دليل القياس تمييز الذكر على الأنثى في الميراث وسببه تمييز الذكر على الأنثى في الشهادة وسببه نظرة في أقوال الصحابة نظرة في الحكمة والمصلحة علماء العصر ودية المرأة رأي الشيخ رشيد رضا في المنار اختيار الشيخ شلتوت ترجيح الشيخ أبي زهرة رأي الشيخ الغزالي رأينا الذي اخترناه شهر سيف الإجماع وخطورته على الاجتهاد     بسم الله الرحمن الرحيم   المقدمة   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.   أما بعد…   فقد دعاني المجلس الأعلى لشئون الأسرة في قطر إلى المشاركة في (مائدة مستديرة) عقدت في تاريخ 22-12-2004م لمناقشة موضوع (دية المرأة في الشريعة الإسلامية)، وهل تنصيف ديتها بالنسبة إلى دية الرجل أمر لا يقبل الاجتهاد، أو هو أمر يمكن أن نجدد فيه اجتهادا في عصرنا اقتضاه تغير الزمان والمكان والإنسان؟.   وهذا ما دعاني إلى البحث في القضية من خلال الرجوع إلى مصادرنا الأصلية المعصومة: القرآن الكريم والسنة المشرفة، وما يخدمهما من مصادر التفسير، وشروح الحديث، ومن خلال مراجعنا الفقهية على اختلاف المذاهب والمشارب؛ فقه الصحابة والتابعين والأتباع، ومن بعدهم من الأئمة المتبوعين وغير المتبوعين.   وقد غُصْت في كتب التفسير والحديث، وفي كتب السنن والآثار، وفي كتب الفقه والأصول، مناقشا الموضوع من جذوره، وراجعا إلى الأدلة التي تستنبط منها الأحكام، والتي يعتمد عليها أهل الفقه والاجتهاد والفتوى: القرآن والسنة والإجماع والقياس والمصلحة وأقوال الصحابة.   وبعد مناقشة الأمر بحياد وموضوعية، تبين لي أن هذا الحكم الذي اشتهر لدى المذاهب المتبوعة أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، والذي استمر قرونا معمولا به لا يسنده نص صحيح الثبوت صريح الدلالة من كتاب ولا سنة، كما لا يسنده إجماع ولا قياس، ولا مصلحة معتبرة، ولا قول صحابي ثابت، وإنْ كان الراجح أن قول الصحابي ليس بحجة في دين الله، لأنه يتوارد عليه الخطأ والصواب، ولا معصوم غير رسول الله، ما لم يجمع الصحابة على شيء، فيكون إجماعهم هو الحجة الملزمة.   وقد تساءلت: لماذا سكت المجتهدون والمجددون طوال العصور عن هذه القضية، ولم تظهر فيها آراء تجديدية، كما ظهر في قضية الطلاق عند الإمام ابن تيمية ومدرسته؟.   تبينت أن قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية كان من الندرة بمكان، وليس كعصرنا الذي يكثر فيه قتل الخطأ في حوادث السير، وتصاب فيها المرأة كما يصاب الرجل، فلم تثر مشكلة حول الموضوع حتى تستدعي اجتهادا جديدا من العلماء.   هذا، وبعد أن كتبت البحث وجدت أحد الباحثين الجادّين قد ألف كتابا أهداه إليّ الأخ الشيخ وليد هادي من علماء قطر، وقال: إنه يتفق مع رأيك، وعنوانه (دية المرأة في ضوء الكتاب والسنة – تمام دية المرأة، وتهافت دعوى التنصيف) تأليف مصطفى عيد الصياصنة، وأشهد أن الباحث الكريم لم يألُ جهدا في التدليل على دعواه، ومناقشة دعوى الآخرين وأدلتهم بالتفصيل، والرد عليها ردا علميا موثقا، وخصوصا فيما يتعلق بالناحية الحديثية والأثرية. وقد اشتققت منه بعض ما أفادني رغم إكمال بحثي.   وأود هنا أن أشير إلى مسألة مهمة، وهي: أني بهذا البحث والوصول فيه إلى رأي يخالف رأي جمهور علمائنا وأئمتنا لا يعني هذا بحال الطعن في فقه السلف أو الخلف من علماء الأمة الذين استفرغوا وسعهم في طلب الحق، ولم يألوا جهدا في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، بحسب زمانهم ومكانهم وأحوالهم الفكرية والاجتماعية والسياسية وغيرها. وقد تركوا لنا ثروة فقهية رائعة لا يوجد لها نظير ولا قريب منها عند أحد من الأمم. وهم مأجورون على اجتهاداتهم أصابوا فيها أو أخطئوا، وإنما لكل امرئ ما نوى.   وليس من مسلكي الفكري قط في أي فترة من حياتي التنقص من جهود أسلافنا، أو التقليل من قيمة تراثنا، فهذا أبعد شيء عن منهجي الفكري ومسلكي الخلقي. فأنا أقدر كل القدر، وأكن كل الاحترام للعلماء في سائر عصورها، وأتتلمذ عليهم، وأقتبس منهم، وأثني عليهم، وأدعو لهم بحسن المثوبة من الله تعالى، ولكنني لا أضفي عليهم العصمة فيما انتهوا إليه من آراء، فإنما هم بشر مجتهدون، يصيبون ويخطئون وإن كان الخطأ هو الأقل، والصواب هو الأكثر، ولهم الحجة، وبحسب المجتهد أن يكون خطؤه مغمورا في بحر صوابه.   وها أنا أقدم بحثي للقارئ الكريم الذي ينشد الحق، ويستفرغ الجهد في تحري الحقيقة والوصول إليها، ناظرا إلى ما قيل لا إلى من قال، متبنيا قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، مؤكدا أن هدفي الوحيد هو خدمة الحقيقة العلمية، وإنصاف شريعة الإسلام في موقفها من المرأة وشخصيتها ومكانتها وحقوقها، التي ضاع الحق فيها بين الطغيان والإخسار، أو بين الإفراط والتفريط.   سائلا الله تعالى أن لا يحرمنا الأجر، أصبنا أو أخطأنا.   والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.    الفقير إلى الله تعالى   يوسف القرضاوي       دية المرأة في الشريعة الإسلامية       رأي الجمهور في دية المرأة   اشتهر في تراثنا الفقهي حكم شرعي شاع بين المسلمين، وهو أن دية المرأة نصف دية الرجل، وقد أخذت به مذاهبهم المتبوعة كلها؛ المذاهب الأربعة الشهيرة، والمذهب الظاهري والمذهب الزيدي، والمذهب الجعفري، والمذهب الإباضي.   واستقر هذا الحكم طيلة القرون الماضية، حتى ظن الكثيرون أن هذا من الأحكام القطعية التي لا يجوز الاجتهاد فيها، وقد نقل بعض الأئمة أنه مجمع عليه! فهل يجوز لنا أن نجدد اجتهادا في هذه المسألة بأن ننظر فيها نظرة جديدة من خلال مصادر تشريعنا، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، والمصادر التبعية الأخرى الاستصلاح وغيره، أو لا يجوز لنا مجرد التفكير في البحث والاجتهاد فيها من جديد؟.   من المعروف أن عندنا في الفقه الإسلامي دائرتين متمايزتين:   دائرة مفتوحة قابلة للتجديد والاجتهاد   أولهما: دائرة مفتوحة، يدخلها الاجتهاد والتجديد، وتتغير فيها الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف. وهي دائرة الأحكام الظنية التي أُخذ الحكم فيها من نصوص ظنية الثبوت، أو ظنية الدلالة، أو ظنيتهما معا، أو استنبطت مما لا نص فيه عن طريق القياس والاستصلاح وغيرها.   وهذه الدائرة يدخل فيها معظم أحكام الشريعة، وهذا من فضل الله ورحمته بالأمة أن جعل في مصادر شريعتها -وبالتالي في أحكامها- متسعا للاجتهاد واختلاف الآراء، ليتسع صدر الشريعة للمشدد والميسر، والآخذ بالظاهر، والناظر إلى المقصد، ولهذا لم يرد الله أن يثبت الأحكام بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، حتى لا يقطع الطريق على الاجتهادات المتجددة بتجدد الزمان والمكان والإنسان.   ومن هنا وجدت الأحكام المتعددة والمذاهب المختلفة، والأقوال المتباينة بين المذاهب بعضها وبعض، وداخل المذهب الواحد.   وربما ضاق بعض الناس بهذا الخلاف المنتشر، ولكنه لو أنصف وتدبر لوجد في هذا: سعة ورحمه للأمة[1]، فقد يصلح مذهب أو قول لزمن ولا يصلح لغيره، ويصلح لبلد ولا يصلح لآخر، ويصلح في حال ولا يصلح في أخرى، ولهذا ألّف بعض العلماء كتابا سماه (رحمة الأمة باختلاف الأمة).   ودائرة مغلقة لا تقبل اجتهادا ولا تجديدا   والدائرة الأخرى: دائرة مغلقة لا يدخلها الاجتهاد ولا التجديد، ولا تتغير أحكامها بتغير الزمان أو المكان أو الحال؛ لأنها تمثل الثوابت العقدية والفكرية والعملية للأمة، وهي التي تمسكها على الجادة حتى لا تتحول إلى (أمم)، بل تبقى أمة واحدة في الظاهر والباطن.   وهذه الأحكام هي (القطعيات) أي التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهي قليلة جدا لكنها مهمة جدا؛ لأنها التي تحفظ على الأمة وحدتها العقلية والوجدانية والسلوكية.   ولهذا يجمع العلماء على أن من أنكر هذه الأحكام القطعية أو استخف بها يحكم عليه بالكفر؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وهو بهذا يكذب الله تعالى ويكذب رسوله، ومثل هذا لا يصدر إلا من كافر.   ففي أي الدائرتين نضع حكم هذه القضية التي نبحث فيها اليوم، وهي: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؟ هذا ما سنلقي عليه الضوء في الصحائف التالية.   تشريع كان في الجاهلية وأقره الإسلام   وأبدأ هذا البحث بتمهيد يوضح مأخذ التشريع في الديات.   كان تشريع الديات في القتل الخطأ مما تعارف عليه العرب في الجاهلية، وكان منهج الإسلام مع ما كان عليه أهل الجاهلية يتمثل في واحدة من ثلاث:   1- إما أن يقر ما كانوا عليه إذا وجده صالحا، كما أقر نظام (المضاربة) أو (القراض)، وهو اشتراك العمل والخبرة من جانب ورأس المال من جانب آخر للقيام بمشروع مشترك، وهذا يعتبر مما يسميه العلماء السنة التقريرية.   ومن ذلك: أن يختار أصلح ما عندهم من أنواع المعاملات ويقرها، ويبطل غيرها مما لا يتفق وأهدافه ومبادئه، كما فعل في شأن (النكاح) فقد كان هناك أربعة أنواع، أبطل ثلاثة منها وأبقى الرابع، وهو النكاح المعروف اليوم، والمتوارث من عهد النبوة.   2- وإما أن يلغيه ويبطله، كما فعل في الأنكحة الثلاثة من نكاحات الجاهلية (الاستبضاع والشغار والبغاء)، ومثل إكراه الفتيات (الإماء) على البغاء، ليتكسب سادتهن من وراء بغائهن.   3- وإما أن يدخل عليه من التعديلات بحذف بعض الأشياء، أو إضافة بعض الأشياء حتى يستقيم العمل أو التصرف مع ما جاء به الإسلام كما في كثير من المعاملات والبيوع وغيرها. فقد كانوا يتعاملون بالسلم ولكن بغير قيود تضبطه، فقال عليه الصلاة والسلام: “من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم[2]”.   وكانوا يتعاملون بمبدأ القصاص من القاتل، ولكن أحيانا يقتلون غير القاتل، ويقتلون بالرجل اثنين أو جماعة. فجاءت الشريعة وأقرت مبدأ القصاص، ولكن منعت التجاوز فيه )وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا( [الإسراء: 33].   وموضوع الديات من الموضوعات التي أقرها الإسلام من عمل الجاهلية إلا أنه ضبطه بمجموعة من الأحكام تحدد نطاقه وتحفظ حدوده.   وقد عُني القرآن الكريم نفسه بهذا الأمر، وجاءت فيه آية محكمة من كتاب الله.. )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا( [النساء: 92].   كما جاءت عدة أحاديث عن الدية ومقدارها وعلى من تجب، ولمن تجب.. إلى آخره.   ولا بد لمن يريد تجديد الاجتهاد في هذه القضية (دية المرأة) أن ينظر فيها من خلال أدلة الأحكام أو مصادر التشريع كلها: القرآن والسنة والإجماع والقياس. والمصادر التبعية كلها: المصلحة المرسلة والاستحسان وغيرهما.   نظرة في المصدر الأول (القرآن)   ومن نظر في القرآن وجد فيه الآية الكريمة التي ذكرناها من سورة النساء، وهي آية بينة محكمة واضحة الدلالة. والمتأمل في هذه الآية القرآنية يرى أنها لم تميز في الحكم بين رجل وامرأة في وجوب الدية والكفارة، والدية هي حق أولياء الدم، والكفارة هي حق الله.   إنما فرقت بين المؤمن الذي يعيش في دار الإسلام ومجتمع المسلمين، والمؤمن الذي يعيش في دار الأعداء المحاربين وفي رحاب مجتمعهم إذا قتله المسلمون أو أحدهم خطأ، فهنا تجب الكفارة على القاتل المخطئ ولا تجب الدية؛ لأنها تدفع لأهله المحاربين للمسلمين، فينتفعون بها في حرب المسلمين.   فلا فرق في نظر القرآن في العقوبة الدنيوية بين الرجل والمرأة في الدية، كما لا فرق بينهما في القصاص، فإن الذي يقتل المرأة يقتل بها قصاصا، سواء كان قاتلها رجلا أم امرأة. حتى لو أن قاتلها كان زوجها يقتل بها، وقد فعل ذلك سيدنا عمر -رضي الله عنه- فقتل رجلا اعتدى على امرأته فقتلها.   وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ( [البقرة: 178].   وقال: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 179].   ومن هنا أجمعت كل المذاهب والمدارس -منذ عهد الصحابة ومن بعهدهـم- على قتل الرجل بالمرأة قصاصا، وفقا لقاعدة (النفس بالنفس).   وكذلك الجزاء الأخروي للقاتل، هو لكل من قتل مؤمنا رجلا أو امرأة، كما قال تعالى: )وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا( [النساء: 93].   هذا ما يظهر لمتدبر القرآن في مسائل القتل عمدا أو خطأ، وما فيه من الجزاء الدنيوي والأخروي، لا يجد فيه تفريقا بين ذكر وأنثى.   وقد قرر القرآن ما جاء في الكتب السماوية السابقة من تعظيم جريمة قتل النفس البشرية بغير حق فاعتبر ]أنه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا[ [المائدة: 32].   وقوله: ]مَنْ قَتَلَ نَفْسًا[ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل نفس، سواء كانت نفس رجل أم نفس امرأة.   وقال تعالى: ]وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[ [الأنعام: 151].   وفي سورة أخرى قال: ]وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا[ [الإسـراء: 33].   فالنهي عن القتل في الآيتين يشمل قتل الرجل وقتل المرأة على حد سواء؛ فكل منهما يقتص من قاتله عمدا بلا شك، سواء كان القاتل رجلاً أم امرأة؛ لأن قوله: ]وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومً[ا نكرة في سياق الشرط، وهي تفيد العموم، فكل من قتل مظلوما -من رجل أو امرأة- فلوليه حق القصاص من قاتله، إلا أن يقع عفو منهم أو مصالحة، كما قال الله تعالى: ]فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ[ [البقرة: 178].   وقال تعالى: ]وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ [المائدة: 45].   هذا ما كتبه الله في التوراة، والراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه في ديننا، ولا سيما إذا ذكره القرآن وأقره.   نظرة في السنة النبوية   ولكن الخلاف في تمييز دية الرجل عن دية المرأة جاء من ناحية النظر في السنة النبوية، وما ورد في ذلك من أحاديث استنبط منها جمهور العلماء ذلك الحكم. ومن ثم وجب على الفقيه المعاصر الذي يريد تجديد الاجتهاد في هذا الحكم الذي انتشر واشتهر العمل به قرونا طويلة أن ينظر نظرة مستوعبة مستقلة في هذه الأحاديث؛ هل هي صحيحة الثبوت لا يطعن في سندها؟ وهل هي صريحة الدلالة لا احتمال في دلالتها على الحكم؟.   وإذا نظرنا في الصحيحين (صحيحي البخاري ومسلم) لم نجد في أي منهما أيّ حديث عن التمييز بين دية المرأة ودية الرجل، لا حديثا مرفوعا ولا موقوفا، ولا مسندا ولا معلقا من أحاديث البخاري، ولا من أحاديث الدرجة الأولى في مسلم (أحاديث الأصول)، ولا من أحاديث الدرجة الثانية (أحاديث التوابع).   بل إذا نظرنا في كتب السنن الأربعة -سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه- لم نجد فيها حديثا يميز في الدية بين المرأة والرجل.   وانتهى عصر أئمة السنن الأربع وآخرهم النسائي (303هـ)، ثم انتهى القرن الرابع الهجري فظهر جماعة من الأئمة المحدثين الكبار المكثرين، أمثـال: أبي يعلى في مسنده (ت 307 هـ)، وأبي بكر بن خزيمة في صحيحه (ت 311هـ)، وأبي جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار (ت 321 هـ) وأبي حاتم ابن حبان في صحيحه (ت 354 هـ)، وأبي القاسم الطبراني في معاجمه الثلاثة (ت 360)، وأبي الحسن الدارقطني في سننه (ت 385)، وأبي عبد الله الحاكم في مستدركه (ت 404). ولم يروِ واحد من هؤلاء أي أحاديث في تنصيف دية المرأة.   ثم جاء الحافظ الكبير الإمام البيهقي (458هـ) ليروي لنا في (سننه الكبرى) حديثا عن معاذ بن جبل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “دية المرأة على النصف من دية الرجل” [رواه البيهقي] من طريق عبادة بن نسّي، قال: وفيه ضعف، وفي الباب التالي أشار إلى إسناد هذا الحديث، وقال: لا يثبت مثله[3].   هذا ما ثبت في الحديث المرفوع عن دية المرأة خاصة، أعني دية النفس.   وقد جاءت بعض أحاديث في جراحات المرأة مثل كسر الأصابع أو الأسنان أو نحوها، فقد روَوْا حديثا يصرح أن دية المرأة مثل دية الرجل حتى تبلغ الثلث، فتكون على النصف من دية الرجل.   روى ذلك النسائي في سننه عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها». والعقل هو الدية؛ لأن الأصل فيها أن تكون إبلا تعقل وتربط.   قال أبو عبد الرحمن (أي النسائي): إسماعيل بن عياش ضعيف كثير الخطأ[4]”. انتهى. فقد روى الحديث وضعفه، إشارة إلى أنه لا يحتج به، ولا سيما أن إسماعيل بن عياش هنا يروي عن الحجازيين، وقد اتفق المحققون على ضعفه في ذلك.   ثم هو يروي عن ابن جريج، وهو -على فضله ومكانته- متهم بالتدليس، وخصوصا فيما رواه عن عمرو بن شعيب، فقد قال الإمام أحمد: لم يلق ابن جريج عمرو بن شعيب[5].   ونقل الترمذي عن الإمام البخاري قوله: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب[6].   ثم إن ابن جريج يرويه عن عمرو بن شعيب، وفيه أيضا كلام كثير، فهناك من وثقه وقبله، وهناك من جرحه ورده، ولا سيما فيما يرويه عن أبيه عن جـده.   فعن ابن المديني قال: حديثه عندنا واهٍ.[7]   واختلف قول يحيى بن معين فيه؛ فمرة قال: ثقة، ومرة قال: ليس بــذاك.[8]   وعن الإمام أحمد قال: له أشياء مناكير، ونكتب حديثه نعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا.[9]   وقيل لأبي داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة.[10]   ولا غرو أن ضعف الحافظ البيهقي الحديث في سننه (8/ 96)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير (3721)، وضعفه في (إرواء الغليل برقم (2254) لعلتين فيه: إسماعيل بن عياش، وتدليس ابن جريج.   نظرة في الإجماع   وإذا لم نجد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية نصا ثابتا يدل على هذا الحكم أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، فهل يمكن الاعتماد على المصدر الثالث في ذلك، وهو الإجماع؟.   ولا نريد أن نناقش هنا قضية الإجماع وما فيه من كلام كثير عند الأصوليين؛ في إمكانه، وفي وقوعه بالفعل، وفي العلم به إذا وقع، وفي حجيته بعد التأكد من وقوعه. وقد ذكر ذلك الغزالي في [المستصفى] والآمدي في [الإحكام].   وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب. ما يدريه لعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم. فإن كان ولا بد فليقل: لا أعلم الناس اختلفوا[11].   ومن تأمل ما كتبه الإمام الشوكاني عن (الإجماع) في [إرشاد الفحول] وجد أنه يميل مع المخالفين في إثباته أكثر من ميله مع الموافقين، انظر ما قاله في إمكان العلم به إذا وقع. قال: فإذن العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعا، ومن ذاك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب، وسائر البلاد الإسلامية. فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم، فضلا عن اختبار أحوالهم، ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم، ومن لم يكن من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد، بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم، فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام.   ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس، فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه، وبما يقوله في تلك المسألة بعينها.   وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه، كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام، فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم.   وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد، وإجماعهم على أمر، فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلدة أخرى، بل لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد، ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين: قد اتفقنا على الحكم الفلاني، فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع، لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفا فيه وسكت تقية وخوفا على نفسه.   وأما ما قيل من أنا نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن أراد الاتفاق باطنا وظاهرا، فذلك مما لا سبيل إليه ألبتة، والعلم بامتناعه ضروري، وإن أراد ظاهرا فقط استنادا إلى الشهرة والاستفاضة، فليس هذا هو المعتبر في الإجماع، بل المعتبر فيه العلم بما يعتقده كل واحد من المجتهدين في تلك المسألة بعد معرفة أنه لا حامل له على الموافقة، وأنه يدين الله بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يمكنه معرفة ذلك منه إلا بعد معرفته بعينه، ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا، فقد أسرف في الدعوى، وجازف في القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذرا ظاهرا واضحا. ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى وجوب الإجماع فهو كاذب.   والعجب من اشتداد نكير القاضي أبي بكر على من أنكر تصور وقوع الإجماع عادة، فإن إنكاره على المنكر هو المنكر.   وفصل الجويني بين كليات الدين، فلا يمتنع الإجماع عليه، وبين المسائل المظنونة، فلا يتصور الإجماع عليها عادة، ولا وجه لهذا التفصيل، فإن النزاع إنما هو في المسائل التي دليلها الإجماع، وكليات الدين معلومة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة.   وجعل الأصفهاني الخلاف في غير إجماع الصحابة، وقال: الحق تعذر الاطلاع على الإجماع، لا إجماع الصحابة، حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة، وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم بـه.    قال: وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة، وقوة حفظه، وشدة اطلاعه على الأمور النقلية. قال: والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوبا في الكتب، ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع إلا بالسماع منهم، أو بنقل أهل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة، وأما من بعدهم فلا. انتهى.[12]   هذا ما قاله الشوكاني حول الإجماع، ومع هذا لا نريد أن نقف عنده، ولنسلم بذلك كله، فهل نرى الأمة أجمعت على ذلك؟. هذا ما استند إليه العلامة ابن قدامة الحنبلي في كتابه (المغني) فقال: قال ابن عبد البر، وابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل.   قال: وحكى غيرهما عن ابن عُلية[13] (ت 193هـ) والأصم[14] (ت 201هـ) أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله عليه السلام: “في النفس المؤمنة مائة من الإبل”.   قال ابن قدامة: وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإن في كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل». وهو أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه، مخصصا له. انتهى.   ولا يمكن أن يثبت الإجماع، وقد خالف فيه هذان الإمامان، وإنما خالفا الجمهور في ذلك؛ لأنه لم يثبت لديهما دليل على التمييز بين الذكر والأنثى.   وقول ابن قدامة: هذا قول شاذ: مردود، إذ لا وجه لوصفه بالشذوذ، فكثيرا ما ينفرد الإمام الواحد عن جمهور الأمة بالقول المخالف ولا يوصف بالشذوذ، وهذا مروي كثيرا عن فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.   ومن المعروف: أن الإمام أحمد له (مفردات) في سائر أبواب الفقه قد انفرد بها عن الأئمة الآخرين، ونظمها بعض الحنابلة في كتاب معروف.   ودعوى مخالفة إجماع الصحابة غير مسلّمة، فلم يثبت أنهم أجمعوا، بل لم يثبت عن واحد منهم تنصيف الدية للمرأة بسند صحيح صريح. كما سنبين بعد.   وكذلك دعوى مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التفريق بين الرجل والمرأة: فقد بينا من قبل كلام أئمة الحديث المعتبرين: أنه لم تصح سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفريق بين الرجل والمرأة.   وأما ما قاله ابن قدامة عن حديث عمرو بن حزم، وأن فيه: «دية المرأة على النصف من دية الرجل.. » إلخ…، فنقول: قال الحافظ ابن حجر: في التلخيص حديث عمرو بن حزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دية المرأة نصف دية الرجل» هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي من حديث معاذ بن جبل، وقال: إسناده لا يثبت مثله. انتهى. [15]   وهنا نقطة في حديث عمرو بن حزم، أحب أن أنبه عليها وهي: أن هذا الحديث الذي استدل به من استدل، إنما كتبه الرسول ـ إذا صح سنده ـ ليبين فيه الديات (أو العقول) وأنواعها ومقاديرها، وحكم كل منها، فإذا خلا من التمييز بين دية المرأة ودية الرجل، في مقام يجب فيه البيان؛ لأنه مكانه وأوانه: كان ذلك دليلا واضحا على عدم الفرق، فقد اتفق علماء الأصول على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.   ولعل هذا هو ما دفع بعض المعارضين لتسوية المرأة بالرجل: أن يجعلوا جملة (دية المرأة نصف دية الرجل) من كتاب عمرو بن حزم، حتى لا يخلو الكتاب من هذا الحكم، وقد أنكر ذلك الحفاظ، وعلى رأسهم علامة المتأخرين، وخاتمة الحفاظ المتقنين: ابن حجر العسقلاني، الذي نفى فيما نقلنا عنه في [تلخيص الحبير]، وجود هذه الجملة في كتاب عمرو بن حزم، وأنها لا توجد إلا فيما رواه البيهقي عن معاذ بإسناد لا يثبت. وقوله هذا ينفي أن يوجد حديث مرفوع في تنصيف دية المرأة.   وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير في (المسألة الثامنة): مذهب أكثر الفقهاء: أن دية المرأة: نصف دية الرجل. وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل.   حجة الفقهاء: أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك. ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل، فكذلك في الدية.    وحجة الأصم وابن علية: قوله تعالى: )وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ( وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية. والله أعلم.[16] انتهى.   وكأنه يؤيد هذا الرأي؛ لأنه لم يرد عليه ولم يتعقبه.   وقد عقب بعض الإخوة من القضاة القطريين ممن كتبوا في الموضوع في الصحف القطرية (القاضي سعيد البديوي المري) فركز على أن القول بالتسوية بين دية المرأة ودية الرجل: معارض للإجماع.   ومما استند إليه أن الفقيهين اللذين اعتمد عليهما من نقضوا الإجماع، وهمـا: ابن علية والأصم: مجروحان عند العلماء، لا يعتمد عليهما ولا يعتد بخلافهما.   فابن علية المذكور ليس هو الأب إسماعيل بن علية الإمام العلامة الثبت كما وصفه الحافظ الذهبي وغيره، بل هو ابنه إبراهيم الذي جرحوه واتهموه.   والحق الذي يقتضيه التأمل والإنصاف: أن المقصود في هذا السياق هو الأب، وليس الابن، لأن ابن علية حقيقة هو الأب، إسماعيل بن علية، نسب إلى أمه، كما هو معلوم، فإذا قيل: ابن علية انصرف الذهن إليه؛ لأنها الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا بقرينة. أما إبراهيم المذكور، فليس ابن علية على الحقيقة، وإنما هو ابن علية.   وابن علية الأب هو الفقيه والمحدث، وأما الابن فلم يعرف بالفقه وإنما قيل عنه: المتكلم.   قال الذهبي في (الميزان) عن الأب: كان حافظا فقيها كبير القدر.[17]   ونقل المزي في (تهذيب الكمال) عن شعبة قال: ابن علية ريحانة الفقهاء.[18]   على أن هنا مسألة مهمة في الاحتجاج بالإجماع، وهو أن الإجماع لا بد أن يكون له مستند شرعي يعتمد عليه من كتاب بين أو سنة محكمة، أو قياس صحيح. أما ما خلا من ذلك كله، وكان مبنيا على مجرد الرأي فمثله قابل للنزاع والمعارضة.         فكيف إذا كان ظاهر القرآن، وصحيح السنة، والقياس السليم، كلها تعارضه كما في قضية دية المرأة، على ما بيناه في موضعه.       سلمنا أن صاحب هذا القول هو ابن علية الابن، فهل يخرجه اعتزاله أو ابتداعه عن اعتباره في الإجماع، وكذلك الأصم شيخ المعتزلة؟.   ونقول: إن الأصوليين قد بحثوا هذه المسألة، واتفقوا على أن من كانت بدعته تقتضي تكفيره لا يعتبر في الإجماع بلا خلاف، لعدم دخوله في الأمة المشهود لها بالعصمة. [19]   وأما إذا اعتقد ما لا يقتضي التكفير بل التضليل والتبديع، فاختلفوا فيه على أقوال، ذكرها الشوكاني:   الأول: اعتبار قوله في الإجماع لكونه من أهل الحل والعقد. قال الصفي الهندي: وهو الصحيح.   الثاني: لا يعتبر كما هو رأي الأستاذ (أبي منصور) وغيره، وحكاه أبو ثور عن أئمة الحديث.   وقال أبو بكر الصيرفي: ولا يخرج عن الإجماع من كان من أهل العلم، وإن اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر، ومن رأى الإرجاء، وغير ذلك من اختلافات أهل الكوفة والبصرة، إذا كان من أهل الفقه. وهناك قول يفرق بين الداعية وغير الداعية من المبتدعين، فمن كان من المجتهدين داعية إلى بدعة: لا يعتد به في الإجماع، ومن لم يكن: اعتد به.إلى آخر ما فصله الإمام الشوكاني في إرشاد الفحول. [20]   نظرة في دليل القياس وإذا رجعنا إلى الدليل الرابع من أدلة الأحكام، وهو: القياس: وجدنا من الفقهاء من يرجع في حكم دية المرأة، وأنها نصف دية الرجل: إلى القياس على أن ميراث المرأة نصف ميراث الرجل، كما قال تعالى: )يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ( [النساء: 11].   وأن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، كما قال تعالى: )وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى( [البقرة: 282].   والحق: أن قياس الدية على الميراث والشهادة: قياس غير صحيح، لأن باب الميراث، وباب الشهادة: غير باب الدية. والتفرقة بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة: تفرقة لها أسبابها واعتباراتها، وهي ليست تفرقة عامة ولا مطلقة في كل ميراث وفي كل شهادة كما سنبين بعد.   ولو صح العمل بالقياس هنا، لكان الأولى: أن نقيس الدية على القصاص، لأنهما من باب واحد، وهو العقوبة على الجناية. وقد ثبت شرعا بالنص والإجماع: أن القصاص يستوي فيه الرجل والمرأة، فمن قتل امرأة عمدا قتل بها بلا نزاع من أحد، ومن قتلت رجلا قتلت به بلا خلاف من أحد، لقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(  [البقرة: 178].   وقال: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 179]. فلم يفرق في وجوب القصاص من القاتل المتعمد بين امرأة ورجل.   تمييز الذكر على الأنثى في الميراث وسببه   على أن باب الميراث ليس كله مفرقا بين الذكر والأنثى، فقد رأينا فيه صورا متنوعة. صور تأخذ فيها الأنثى نصف الذكر، وذلك في أربع حالات معروفة في علم الفرائض (المواريث) وصور أخرى تأخذ فيها الأنثى مثل الذكر، كما في قوله تعالى: )وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ( [النساء: 11].   وقوله تعالى: في ميراث الأخوة لأم: )وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً (أي لا والد له ولا ولد) أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ (أي لأم) فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ( [النساء: 12]. ومعنى أنهم (شركاء) في الثلث: أي تستوي أنصبتهم فيه.   وهناك صور أخرى تأخذ فيها الأنثى مثل حظ الذكر.   وهناك صور غيرها ثالثة، تأخذ فيها الأنثى أكثر من الذكر.   وصور رابعة ترث فيها الأنثى ولا يرث الذكر شيئا.   وهذه الصور كلها أحصاها أخونا الدكتور صلاح سلطان في كتاب له في هذه القضية. [21]   وإذا تأملنا بإنصاف في الصور التي جعل فيها الشرع ميراث الأنثى على النصف من ميراث الرجل: تبين لنا أن هذا ما تقتضيه العدالة. لأن الشرع رتب على الذكر من الأعباء والواجبات المالية ما لم يرتبه على الأنثى. من ذلك أن نفقة المرأة على الرجل إذا كانت بنتا أو زوجة أو أما أو أختا. كما أن الرجل إذا تزوج عليه: أن يدفع مهرا، ويؤثث بيتا. أما المرأة فإنها تقبض مهرا، ولا تكلف بشيء في تأثيث البيت.   فلو فرضنا أن رجلا توفي وترك مالا يقدر بمائة وخمسين ألف ريال قطري (150000) وترك ورثة له هما ابن وبنت، فإن الابن يأخذ نصيبه من التركـة (100000) مائة ألف، والبنت تأخذ نصيبها (50000) خمسين ألفا. للذكر مثل حظ الأنثيين.   ولكن انظر ماذا يحدث بعد ذلك؟   الابن يريد أن يتزوج فيدفع مهرا نقدره بخمسة وعشرين ألفا (25000) والبنت تحتــاج إلى أن تتزوج فيــدفع لها مهــر نقدره بخمسة وعشرين ألفا (25000).   وهنا ينقص نصيب الابن الذكر فيصبح (75000) ويزيد نصيب البنت فيصبح (75000) وبهذا يتساويان في النهاية وفي الحقيقة.   فإذا قدرنا أن الابن عليه أن يجهز بيته ويفرشه بالأثاث المناسب، ويتكلف نفقات العرس، وهدايا العروس، وغير ذلك، فإن نصيبه سيزداد نقصا، ونصيب البنت بما يأتيها من هدايا من الأقارب، و”نقوط” الأصدقاء، سيزداد يقينا.   فلا مجال للادعاء بأن الإسلام يميز الرجل ويفضله على المرأة، ويجعلها في مرتبة إنسانية دون مرتبة الرجل.   ومن ثم لا يسلم قياس دية المرأة على ميراثها، كما قيل.   تمييز الذكر على الأنثى في الشهادة وسببه   وكذلك باب الشهادة في الشريعة: ليس كله مفرقا بين المرأة والرجل، وإنما ذكر القرآن ذلك في باب المعاملات المدنية والتجارية، وفي مقام استيثاق المسلم لديونه وحقوقه، عندما يريد أن يستشهد على الوثيقة (أو الكمبيالة) شهودا يعتمد عليهم إذا احتاج لرفع دعوى على خصومه. فهنا أرشده القرآن أن يستشهد أولاً بالرجال، لأنهم أقدر على الحضور عند الطلب، ولا يتحكم فيهم أحد من أب أو أخ أو زوج. ثم إنهم أكثر ضبطا لوقائع المعاملات المدنية، وتذكرا لها من النساء، فإن لم يجد رجلين يشهدهما، فليكن رجل وامرأتان، وقد علل القرآن ذلك بضعف ذاكرة المرأة أكثر من الرجل في هذا الشأن من المعاملات، التي لا تهتم المرأة –عادة- بها كثيرا، بل يغلب عليها النسيان فيها. ولهذا علل القرآن ذلك بقوله: )أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى( [البقرة: 282]   وهذا لا يعني: تنصيف شهادة المرأة بإطلاق، فقد اعتبرت شهادة المرأة الواحدة في بعض القضايا المهمة مثل: ثبوت الحيض والولادة والرضاع وغيرها من شئون النساء.   وكذلك شهادات النساء وحدهن في باب الجنايات من بعضهن على بعض في المجتمعات التي لا يحضرها الرجال عادة، مثل الأعراس والحمامات، فيشهدن بما رأين، ولا يهدر القضاء شهادتين، حتى لا تضيع الحقوق [22].   نظرة في أقوال الصحابة   بقي أن ينظر إلى ما جاء عن الصحابة في المسألة، وهنا يحق لنا أن نسأل: هل يعتبر قول الصحابي حجة أو لا؟.   خلاف بين الأصوليين طويل الذيول.   قال الإمام الشوكاني في (إرشاد الفحول إلى علم الأصول):   (اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر.. واختلفوا: هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم، على أقوال، أولها: إنه ليس بحجة مطلقا، وهو قول الجمهور…).   و    ذكر الشوكاني ثلاثة أقوال أخرى، ثم قال:   (ولا يخفاك[23] -أي لا يخفى عليك- أن الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد، أما إذا لم يكن منها، ودل دليل على التوقيف؛ فليس مما نحن بصدده، والحق أنه ليس بحجة، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة).   فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما؛ فقد قال في دين الله بما لم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوُل بالغ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو أقوالهم حجة: على المسلمين يجب عليهم العمل بها، وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى، مما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده، لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة وارتفاع الدرجة وعظمة الشأن، وهذا مسلم لا شك فيه، ولهذا مد أحدهم لا يبلغه من غيرهم الصدقة بأمثال الجبال، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد.[24]   وقد روى الحافظ البيهقي في [سننه الكبرى] عن الشعبي: أن عليا رضي الله عنه، كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثـر.[25]   وقاسوا دية النفس على الجراحات. ولكنّ سند هذا الأثر فيه كلام؛ إذ الشعبي -وإن أدرك عليا- لم يرو عنه إلا حرفا واحدا كما قال الدارقطني. [26]   ومع ذلك هو مخالف لما جاء عن صحابة آخرين في التسوية بين الجراحات فيما هو أقل من الثلث، وهو مخالف لما روي فيه من حديث أخرجه النسائي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وضعفه. وقد تقدم.   ولهذا قال ابن قدامة في [المغنى]بعد أن ذكر هذا الأثر عن علي: ولا نعلم ثبوت ذلك عنه.[27]   وروى البيهقي أيضا من طريق إبراهيم (النخعي) عن عمر وعلي: أنهما قالا: عقل المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها. ثم قال: حديث إبراهيم منقطع، إلا أنه يؤكد رواية الشعبي.[28]   والحق أن الضعيف المنقطع لا يؤكد ولا يثبت.   وقد جاءت عدة آثار موقوفة على الصحابة رضي الله عنهم حول دية المرأة وتنصيفها، ولكن الناظر فيها بموضوعية وإنصاف يتبين فيها ما يلي:   أولا: أن أسانيدها ضعيفة، والضعيف لا يحتج به في الأحكام، لو كان مرفوعا، فكيف إذا كان موقوفا؟ وقد رواها البيهقي في سننه وضعفها، وقد أشرنا إلى مصدر ذلك فيما سبق. وقد لا يضعف الأثر، ولكنه يكتفي بذكر السند، وفيه راو متفق على ضعفه، مثل ما روي عن عمر عن طريق الشافعي، ورواه البيهقي في السنن (8 / 95): أن دية المرأة خمسمائة دينار، أو ستة آلاف درهم. وهذا الأثر ضعيف لأن فيه مسلم بن خالد الزنجي، قال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. وضعفه ابن معين، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم.   ومثل ذلك: ما رواه البيهقي في السنن أيضا (8 / 96) بسنده عن عمرو عن شريح قال: كتب إلى عمر رضي الله عنه بخمس من صوافي الأمراء. يعني بها: القضايا التي لا نص فيها، ويجتهد فيها الأئمة والأمراء برأيهم. ومن هذه الخمس: أن جراحة الرجال والنساء سواء إلى الثلث من دية الرجل.   وفي سند هذا الأثر: جابر الجعفي، وهو متهم بالكذب: قال ابن معين: لا يكتب حديثه ولا كرامة.وقالوا عنه: متروك. ومطعون فيه.. وضعيف جدا، وكذاب.   ومثل هذا إذا وجد في سند حديث أو أثر أسقطه يقينا من درجة الاحتجاج به أو التعويل عليه.   ثانيا: أنها يعارض بعضها بعضا، فما جاء عن علي يفيد أن دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها.   وما جاء عن زيد بن ثابت: أنه جعل جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، ومما زاد فعلى النصف.   وقال ابن مسعود: السن والموضحة -الشجة التي تبدي وضح العظم- فإنها سواء وما زاد فعلى النصف.   ثالثا: أن أقربها إلى القبول -في نظر بعض الباحثين[29]- أثر عثمان الخليفة الثالث، الذي رواه البيهقي من طريق الشافعي أن رجلا أوطأ امرأة بمكة (داسها) فقضى فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه بثمانية آلاف درهم (دية وثلث) قال الشافعي: ذهب عثمان إلى التغليظ، لقتلها في الحرم. نجد في سنده راويا متهما بالتدليس -وهو ابن أبي نجيح- كما قال النسائي. ولذا ذكره الحافظ في طبقات المدلسين. وقال في (التقريب): ثقة رمي بالقدر وربما يـدلس. [30]   وراويا آخر هو الربيع بن سليمان، لم يكن من المتقنين، وقيل فيه: كان يوصف بغفلة شديدة، وأقصى ما قيل فيه: صدوق. أو لا بأس به [31]. ومثل هذا الحديث بهذا السند لا يصلح للاعتماد عليه في موضع النزاع.   رابعا: أن هذا الأثر عن عثمان، قد ورد عن عثمان من طريقين آخرين أصح إسنادا من هذه الطريق، أما أحدهما فقد رواه البيهقي نفسه من طريق سعيد بن منصور عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلا وطئ امرأة بمكة في ذي القعدة، فقضى فيها عثمان رضي الله عنه بدية وثلث. [32]   والطريق الآخر: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن عثمان قضى في امرأة قتلت في الحرم بدية وثلث الدية.[33]   ونلاحظ هنا في هاتين الروايتين الأصح سندا من الأولى أنهما لم يذكرا موضوع (الثمانية آلاف درهم) واكتفيا بذكر دية وثلث. وبهذا خالف الطريق الأول: هذين الطريقين -وهما أصح منه- فيعتبر وفق وصف المحدثين شاذا.   والمفهوم هنا: أن عثمان قضى في هذه المرأة المقتولة في الحرم وفي الأشهر الحرم بدية وثلث، فجاء أحد الرواة وفسر الدية بأنها نصف دية الرجل، وهي ستة آلاف درهم. وثلثها: ألفا درهم، فروى الأثر بالمعنى: وقال: قضى بثمانية آلاف درهم، دية وثلث.   خامسا: أن أثر عثمان الأول إذا سلمنا بقبوله وصلاحيته للاحتجاج: يعتبر من تصرفات الإمام بمقتضى رئاسته للدولة، وسياسته للرعية وفق المصلحة كما يراها. ولا يكون هذا شرعا عاما دائما إلى يوم القيامة.   ولعلماء الأصول كلام مهم في تصرفات الرسول وأنواعها وآثارها، ومنها تصرفه بمقتضى الإمامة وأنها لا تكون من الشرع العام الدائم. وإذا كان هذا في شأن تصرف الرسول فكيف بتصرف غيره من الأئمة والخلفاء؟.   ولعل مما يؤكد هذا: إن عثمان غلّظ دية المرأة المقتولة وجعلها دية وثلثا؛ لأنها قتلت في الحرم. وهذا لم يُرو فيه أي شي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن فعل عثمان هذا بمقتضى السياسة الشرعية.   كما نجد لعمر رضي الله عنه أكثر من اجتهاد في قضية الدية، منها: نقله العاقلة من (القبيلة) إلى (الديوان). فالذين يأخذون عطاءهم من الديوان يعتبرون كأنهم قبيلة فيما بينهم، حيث انتقل التناصر الذي كان أساسه القبيلة -في عصر النبوة- فأصبح أساسه الديوان، وهو ما أخذ به الحنفية، وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية.   نظرة في الحكمة والمصلحة   وإذا نظرنا إلى دليل المصلحة التي يتوخاها الشرع في أحكامه جميعا، ولا سيما أحكام المعاملات، وإلى الحكمة المقصودة من وراء جعل دية المرأة على النصف من دية الرجل: وجدنا من الفقهاء من يقول: إن المنفعة التي تفوت بقتل الرجل: أكبر من المنفعة التي تفوت بقتل المرأة؛ لأن الرجل هو الكاسب والكادح، وهو الذي يعول الأسرة، وينفق عليها؛ فالخسارة بموته أكبر من خسارة المرأة.   وأذكر في ذلك واقعة حدثت منذ بضعة عشر عاما، في عمان عاصمة الأردن، وكنا مجموعة من العلماء منهم: الشيخ محمد الغزالي، والشيخ مصطفى الزرقا، والأستاذ محمد المبارك، ود. معروف الدواليبي، والأستاذ عمر الأميري، والفقير إلى الله تعالى، وقد دار نقاش حول ما أثاره الشيخ الغزالي في كتابه (السنة بين أهل القفه وأهل الحديث) الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الدينية، وخصوصا السلفية. ومن ذلك: ما اختاره في موضوع دية المرأة وأنها مثل دية الرجل، وقد توليت الدفاع عن شيخنا الغزالي في هذا الموقف وأن القول بتنصيف ديتها ليس عليه دليل من كتاب أو سنة أو إجماع.   وكان العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا يتبنى وجهة نظر الفقه التقليدي في ذلك. وقد أيدها بأن الفقهاء راعوا اعتبارا مهما في الأخذ بتنصيف دية المرأة، وهو: أن العائلة بفقد الرجل ينهد ركنها، وتفقد عائلها، بخلاف فقد المرأة التي تعال ولا تعول.   قلت له: يا مولانا، ولكن الشريعة -كما لا يخفى عليكم- لم تعر هذا الاعتبار التفاتا في باب الدية، فدية الطفل الصغير: مثل دية أبيه الكبير، ودية الزمِن العاجز عن العمل: مثل دية القادر المكتسب، ودية الذي يكسب درهما في اليوم: مثل دية الذي يكسب ألف درهم، ودية الكناس الأمي الذي يعمل في الجامعة: مثل دية أستاذ الجامعة الكبير؛ إذ المدار هنا على (النفس الإنسانية) والاعتداء عليها، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى.   وماذا يقول أستاذنا الزرقا إذا توفي الأب، وكانت الأم هي تقوم مقامه في العمل والكسب، وهي التي تعول أولادها، ما ديتها إذا قتلت: أتكون نصف الرجل؟ أم تكون لها دية كاملة؟   وقال: “المسلمون تتكافأ دماؤهم”[34] قال العلماء: أي يتساوى دماؤهم في القصاص والحرمات، لا بفضل شريف على وضيع. وذلك لأنهم سواء في المكانة، وفي الحرمة والتحريم والحقوق، ومقتضى هذا: أن لا نفرق هنا بين ذكر وأنثى، فليس دم المرأة أرخص من دم الرجل، حتى تكون عقوبة الاعتداء عليها أقل من عقوبة الاعتداء على الرجل، ولو صح ذلك لم يكن هذا الحديث صحيح المعنى؛ لأن دماء المسلمين في هذه الحالة غير متكافئة ولا متساوية.     علماء العصر ودية المرأة   أحسب أنه قد تبين لنا من خلال مناقشاتنا السابقة لمسألة دية المرأة: أهي مثل دية الرجل، أم على النصف منها كما هو المشهور في مذاهب الفقه الإسلامـي: أن هذا الرأي المشهور الذي أخذ به الجمهور: لا يستند إلى نص من القرآن الكريم، ولا من السنة النبوية، ولا من إجماع متيقن، ولا من قياس مسلّم، ولا من مصلحة معتبرة.   وبقيت معنا الآية الكريمة من سورة النساء: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا( [النساء: من الآية 92]. وهو عام في قتل كل إنسان مؤمن، رجلاً أو امرأة، وكذلك الأحاديث التي ذكرت أن في النفس مائة من الإبل، وبقى كذلك أن وجهة الشريعة في عقوبة القتل: أنها تنظر إلى (النفس الإنسانية) والعدوان عليها، عمدا أو خطأ، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى التي تميز بين الناس بعضهم وبعض. ولهذا كان القصاص من قاتل المرأة كالقصاص من قاتل الرجل، ولا فرق.   وهذا ما اتجه إليه كثير من علماء عصرنا، الذين لهم بصر بالنصوص، وبصر بالمقاصد، وبصر بالعصر.   رأي الشيخ رشيد رضا في المنار   وأولهم العلامة السيد محمد رشيد رضا، الذي قال في تفسيره عندما تعرض لآية قتل الخطأ؛ وتعرض لرأي الفقهاء في دية المرأة، وأنها مثل دية الرجل، والأصل في ذلك: أن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أكبر من المنفعة التي تفوت بفقد الأنثى، فقدرت بحسب الإرث. قال الشيخ رشيد: وظاهر هذه الآية: أنه لا فرق بين الذكر والأنثى.[35]   اختيار الشيخ شلتوت   وعرض لذلك الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت في كتابــه (الإسلام عقيدة وشريعة) فقال رحمه الله تحت عنوان “دية الرجل والمرأة سـواء”: (وإذا كانت إنسانية المرأة من إنسانية الرجل، ودمها من دمه، والرجل من المرأة والمرأة من الرجل، وكان “القصاص” هو الحكم بينهما في الاعتداء على النفس، وكانت جهنم والخلود فيها، وغضب الله ولعنته، هو الجزاء الأخروي في قتل المرأة، كما هو الجزاء الأخروي في قتل الرجل، فإن الآية في قتل المرأة خطأ، هي الآية في قتل الرجل خطأ.   ونحن ما دمنا نستقي الأحكام أولاً من القرآن، فعبارة القرآن في الدية عامة مطلقة لم تخص الرجل بشيء منها عن المرأة: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ( [النساء: من الآية 92]. وهو واضح في أنه لا فرق في وجوب الدية بالقتل بين الذكر والأنثى.   نعم… اختلف العلماء في مقدار الدية، أهو واحد في الرجل والمرأة، أو ديتها على النصف من دية الرجل؟   وقد ذكر الإمام الرازي الرأيين في “تفسيره الكبير” فقال: مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل، وقال الأصم وابن عُلية: ديتها مثل دية الرجل.   وحجة الأكثر من الفقهاء أن عليا، وعمر، وابن مسعود، قضوا بذلك، وأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل فيهما، فكذلك تكون على النصف من الدية.   وحجة الأصم قوله تعالى: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ(.   وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتاً بالسوية).[36]   ترجيح الشيخ أبي زهرة   وأيد هذا الرأي العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي- العقوبة) تحت عنوان (دية المرأة) قال: (يقول ابن قدامة في المغني ما نصه: قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن عُلية و الأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل، لقوله عليه السلام (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في كتاب عمرو بن حزم (دية المرأة على النصف من دية الرجل) وهي أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له.         هذا نص ما قاله صاحب المغني، وقد ادعى فيه الإجماع، وقال صاحب البدائع في معنى هذا الإجماع: إن آراء الصحابة أعلنت من بعضهم، ولم ينكر سائرهم، فكان إجماعا سكوتيا، وقد أنكر كثيرون حجية الإجماع السكوتي، وقد زكى ذلك النظر بدليلين آخرين:   أحدهما: أن المرأة في الميراث تأخذ نصف ميراث الرجل، فتكون في الناحية المالية مقدرة في التعويض بنصف دية الرجل.   ثانيهما: أن الدية تعويض عن المفقود، وتقويم لما نقص المجتمع بفقده، وذلك يقتضي أن يكون تعويض فقد المرأة أقل من تعويض الرجل؛ لأن منافع المرأة دون منافع الرجل، وتقدير هذا التعويض يكون بتقدير الميراث، وهو أن تكون على النصف.   ونرى من هذا النظر أنه نظر إلى المالية، ولم ينظر إلى الآدمية، وإلى جانب الزجر للجاني، والحقيقة أن النظر في العقوبة إلى قوة الإجرام في نفس المجرم، ومعنى الاعتداء على النفس الإنسانية، وهي قدر مشترك عند الجميع لا يختلف باختلاف النوع؛ فالدية في ذاتها عقوبة للجاني، وتعويض لأولياء المجني عليه أو له هو ذاته إذا كان ذلك في الأطراف، وعلى ذلك ينبغي أن تكون دية المرأة كدية الرجل على سواء؛ إذ هي عقوبة الدماء؛ ولأن المعتدي بقتل امرأة كالمعتدي بقتل رجل على سواء.   ولذلك ترجح كلام أبي بكر الأصم، والنصوص أكثرها أخبار آحاد، والتوفيق بينهما ممكن، ولا يمكن ترجيح خبر على خبر، والآية صريحة في عموم أحكام الدية في القتل الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: )فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ( والنبي صلى الله عليه وسلم بين الدية بقضية عامة، وهي مائة إبل). انتهى.[37]   رأي الشيخ الغزالي   وهذا الرأي: أن دية المرأة مساوية لدية الرجل، هو الذي أبداه الداعية الإسلامي الكبير: الشيخ محمد الغزالي في كتابه: (السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث) حيث قال: فالدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة، والزعم بأن دم المرأة أرخص، وحقها أهون: زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب. [38]   رأينا الذي اخترناه   وهو الرأي الذي اخترناه، ودافعنا عنه في كتابنا [مركز المرأة في الحياة الإسلامية] وفي كتابنا [الشيخ الغزالي كما عرفته] حيث شددت أزره في رأيه الذي تبناه، ودافعت عنه من منطلق حديثي وفقهي.   وهو ما جليته وألقيت عليه أضواء كاشفة في هذا البحث، وأعتقد أن مــن قرأه بإنصاف وتأمل، وقارن بين الأقـوال بعضها وبعض، ورد الفـروع إلى أصولها، وبحث الأمور من جذورها، سينشرح صدره لما وصلت إليه.   وفي ذلك إنصاف للمرأة، وتكريـم لها، واعتبار لإنسانيتها، وهو يتفـق مع النظرة الإسلامية العامة للمرأة: فقد كرمها الإسلام إنسانا، وكرمها أنثى، وكرمها بنتا، وكرمها زوجة، وكرمها أما، وكرمها عضوا في المجتمع.   وهو يتفق كثيرا، مع توجهات العصر، التي تعظم شأن المرأة، وتمنحها حقوقها، وتتهم المسلمين بأنهم يجورون عليها، ويضعونها في مرتبة دونية، كأنما خلقت لخدمة الرجل، ومتعة الرجل، والله تعالى يقول: ) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( [آل عمران: 195].   ومعنى )بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( أن المرأة من الرجل، والرجل من المرأة، هي تكمله وهو يكملها، لا يستغني عنها ولا تستغني عنه. وذلك غاية التكريم.   لماذا لم يظهر اجتهاد جديد خلال القرون الماضية حول دية المرأة؟   وقد تساءلت في نفسي: إذا كان هذا الحكم الذي ذاع واشتهر ـ وهو تنصيف دية المرأة ـ لا يستند إلى دليل معتمد من قرآن أو سنة إجماع أو قياس، أو قول صاحب، أو مصلحة معتبرة، فكيف سكت عنه علماء الأمة طوال اثنتي عشر قرناً، ولم يبرز عالم بعد ابن علية والأصم، ينقد هذا الرأي ويدعو إلى اجتهاد جديد فيه، ينصف المرأة ويعطيها حقها، كما أعطاها في القصاص مثل الرجل سواء؟ !!   كما وجدنا من العلماء من نفذ وقوع طلاق الثلاث بلفظ واحد: ثلاثا، وهو ما استقر عليه العمل طيلة قرون، قبل ظهور شيخ الإسلام ابن تيمية، باجتهاده الجديد، الذي خالف فيه من تقدمه من علماء الأمة، حتى علماء مذهبه الحنبلي، وأنكر وقوع الإجماع قبله على ذلك؟   لماذا لم يظهر مثل هذا الاجتهاد في قضية تنصيف دية المرأة؟   والذي تبين لي أن القضية لم تلح على العقل المسلم، وتدفعه إلى البحث فيها من جذورها، ومناقشة أدلتها. لأنها ـ بحكم الواقع ـ حادثة نادرة الوقوع.   ذلك أن الدية تجب في حالتين:   1 – حالة مجمع عليها، وهي القتل الخطأ.   2 – وحالة مختلف فيها، وهي شبه العمد.   وحالة القتل الخطأ بالنسبة للمرأة نادرة الوقوع. ربما تمر السنون ولا تقتل امرأة خطأ، لعدم وجود ظروف وأسباب تعرضها لذلك.   بخلاف عصرنا الذي كثرت فيه حوادث السيارات ونحوها، مما يسبب قتل الكثيرين والكثيرات، على سبيل الخطأ، وهنا تجب الدية والكفارة.   وحالة شبه العمد: تتمثل في الشجار الذي يقع بين الأفراد أو بين العوائل والقبائل، ويتضاربون بالعصيّ الغليظة ونحوها من المثقّلات وليس بالسيوف والرماح، وهذا يقع عادة بين الرجال بعضهم وبعض. أما المرأة: فالغالب أنها إذا تشاجرت مع المرأة أن تشدها من شعرها، أو تعضها بأسنانها، أو تمزق ثيابها ونحو ذلك.   وإنما يحفز العلماء على الاجتهاد كثرة وقوع الأمر، كما حفز شيخ الإسلام ابن تيمية كثرة وقوع الطلاق ـ وخصوصاً الطلاق بالثلاث ـ وانهيار الأسرة المسلمة، ولجوء الناس إلى (المحلل) وغير ذلك ـ إلى الاجتهاد للخروج من هذه الأزمة في ظل الشريعة الإسلامية، برفض إيقاع هذه الطلاقات التي أوقعت الناس في الضيق.   شهر سيف الإجماع وخطورته على الاجتهاد    وأود أن أذكر هنا للأخوة الذين يدافعون بحرارة عن الإجماع في قضية تنصيف دية المرأة ويشهرون هذا السيف في وجه الذين ينادون بالتسوية على ما يقتضيه ظاهر القرآن الكريم والسنة المطهرة: إن هذا السيف نفسه هو الذي شهره رجال المذاهب المتبوعة في وجه ابن تيمية ومدرسته، حين جدد الاجتهاد في مسائل الطلاق، التي كانت توقعها تلك المذاهب، ويفتي بها عامة العلماء: أنها واقعة لا محالة. مثل إيقاع طلاق الثلاث بلفظة واحدة، فتبين بها المرأة بينونة كبرى. ومثل ذلك الحلف بالطلاق، والطلاق المعلق، وكذلك الطلاق البدعي (طلاق الحائض ونحوها) فقد قال ابن تيمية بعدم وقوع الطلاق في ذلك كله، مخالفا مذهبه والمذاهب الأربعة وغيرها.   وقد اتهم ابن تيمية من علماء زمنه بأنه خرق الإجماع الذي استمر عليه العمل ستة قرون قبله، ونال العلماء منه، وجرحوه، وعرضوه للمحاكمة، ودانوه، وأدخل السجن…إلى آخر ما هو معروف في سيرة ابن تيمية.   انظر ما قاله الحافظ ابن حجر في (الفتح) في قضية الطلاق البدعي، أو طلاق الحائض، في شرح حديث ابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض، وما فيه من كلام. قال: قال النووي: شذ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلق الحائض لم يقع الطلاق؛ لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبية. وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض.   وقال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضـلال. يعني الآن.   قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ. وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية. يعني: إبراهيم بن إسماعيل بن علية، الذي قال فيه الشافعي في حقه: إبراهيم ضالّ؛ جلس في باب الضوّال (موضع كان بجامع مصر) يضل الناس ! وكان بمصر. وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة، وقد غلط من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه. وحاشاه. فإنه من كبار أهل السنة. انتهى ما نقله ابن حجر عن النووي. [39]   والذي يظهر لنا: أن الإمام النووي ـ رحمه الله ـ المتوفى في القرن السابع الهجري (ت 676 هـ) هو أول من قال: إن ابن علية المقصود في النقول الفقهية للعلماء هو الابن لا الأب ! وهذا خروج عن الأصل والظاهر، ومجرد دعوى لا دليل عليها؛ لأن هذا الابن المذكور لم يكن من الفقهاء المعدودين حتى يهتم العلماء بنقل أقواله وآرائه، بل هو معروف بعلم الكلام، وبقوله بخلق القرآن. والمفهوم لأول وهلة من المنقول عن الفقهاء: إذا قيل: ابن علية إنه الأمام الكبير إسماعيل.   والحمد لله رب العالمين.      ——————————————————————————– [1] انظر: كتابنا (الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم)، باب الاختلاف ضرورة ورحمة وسعة، ص42-65، طبعة دار الشروق. [2] رواه أحمد في المسند (2548)، وأخرجه مسلم في كتاب البيوع باب السلم (1604)، وابن حبان (4925) كلهم عن ابن عباس، وهو عند مسلم بلفظ: “من سلف في تمر فلينفق في كيل معلوم  ووزن معلوم إلى أجل معلوم”.   [3]  انظر: السنن الكبرى للبيهقي (8/ 95، 96).   [4] انظر: المجتبى للنسائي (8/44)، وهو في السنن الكبرى له، حديث (6980). وانظر في ترجمة ابن عباس تهذيب الكمال (3/163-181).   [5] أعلام النبلاء (6/ 322).   [6] تهذيب التهذيب لابن حجر (6/ 406).   [7] ميزان الاعتدال (3/ 265).   [8] التاريخ لابن معين (1/ 446)، وتهذيب التهذيب (8/ 49).   [9] الميزان (264). [10]  الميزان (264). [11] انظر: الإحكام لابن حزم (4/ 573). [12] انظر: إرشاد الفحول (1 / 288–291) طبعة دار الكتب، بتحقيق د. شعبان إسماعيل. [13] قال عنه الذهبي في (أعلام النبلاء): إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، الإمام العلامة الحافظ الثبت، المشهور بابن علية، وهي أمه. (9 / 107) وما بعدها. [14] قال الذهبي عنه: شيخ المعتزلة أبو بكر الأصم، كان ديّنا وقورا صبورا على الفقر، منقبضا عن الدولة، وعدد له مؤلفات شتى (أعلام النبلاء) (9/402). وذكر الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ما قاله عنه القاضي عبد الجبار الهمذاني في طبقات المعتزلة: كان من أفصح الناس وأورعهم، وأفقههم، وله تفسير عجيب. (1/ 121 ).. ومن المعلوم: أن المعتزلة في الفقه لا غبار عليهم. إنما الإنكار عليهم في مجال العقائد. [15] انظر: تلخيص الحبير لابن حجر ( 4 / 24 ) طبع شركة الطباعة الفنية المتحدة. [16] التفسير الكبير للرازي ( 9 / 233 ).   [17] ميزان الاعتدال ( 1 / 216 ).   [18] تهذيب الكمال ( 3 / 27 )   [19] قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (404) في البدعة التي يكفر بها: لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد الأئمة، كما في غلاة الروافض: من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك. انتهى.   وهذا الضبط مهم؛ لأن كل فرقة كثيرا ما تكفر غيرها وبهذا نكفر الأمة كلها. مع أن الحديث الذي يتمسك به الكثيرون في (الفرقة الناجية) يجعل المفترقين جميعا من الأمة (ستفترق أمتي).   [20] انظر: إرشاد الفحول، مبحث (اعتبار المجتهد المبتدع) (1 / 311 – 315) طبعة دار الكتب، بتحقيق د/ شعبان إسماعيل.   [21] انظر: امتياز المرأة على الرجل في الميراث والنفقة للدكتور صلاح الدين سلطان: الفصل الأول ص 16 – 46. طبعة سلطان للنشر بالولايات المتحدة الأمريكية.   [22] انظر: الطرق الحكيمة لابن القيم.   [23] هذا التعبير غير صواب لغة، لأن خفي يخفى: فعل لازم لا يتعدى بنفسه إلى مفعول، وليس في اللغة: خفيك، أو يخفاك، ولكن جرى ذلك في استعمال بعض المتأخرين، وهو لا وجه له.   [24]  إرشاد الفحول (2 / 268 – 271).   [25]  السنن الكبرى (8 / 95، 96).   [26]  انظر: العلل للدارقطني (1/ 132)، وانظر: تهذيب الكمال (14/ 30).   [27]  المغني (12 /58).   [28]  السنن الكبرى (8 / 96).   [29] مصطفى عيد الصياصنة في كتابه (دية المرأة في ضوء الكتاب والسنة ) ص 87 وما بعدها.   [30] انظر: تهذيب التهذيب ( 6 / 55) ومقدمة الفتح ( 436 ) وطبقات المدلسين ( 62 ) والتقريب (1 / 456).   [31] انظر: تهذيب التهذيب (3 / 246) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ( 3 / 464 ).   [32] رواه البيهقي في السنن الكبرى في الديات ( 8 / 71 ).   [33] مصنف ابن أبي شيبة في الديات الثر ( 27609 ) وقد صحح الشيخ الألباني هذا الأثر في كتابه (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) رقم ( 2258 ).   [34]  رواه أحمد في مسنده من حديث عمرو بن شبب عن أبيه عن جده “عبد الله بن عمرو” برقم (6692) وقال محققو المسند: صحيح , وهذا إسناده حسن. ورواه أبو داود (2751) وكرره برقم (4531). كما رواه ابن ماجه (2685) والبيهقي (8/28, 29). [35] انظر: تفسير المنار / ( 5/ 333).   [36] الإسلام عقيدة وشريعة / ص 208 , 209.   [37] انظر: الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي / ص 572 , 572 / ط دار الفكر العربي.   [38] انظر: السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث / ص 19.   [39] فتح الباري ( 9 / 352، 353 ) طبعة دار الفكر. لبنان. المصورة عن السلفية.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: