نطاق التحفظ الواجب …بقلم القاضي محمد بن الطاهر

 

قال الله تعالى
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا .

القلم قرين التنوير والتبادل الفكري والمعرفي، وهو وسيلة جدّ مجدية لرأب ما اختل من المنظومة الأخلاقية لأي مجتمع، وكلها أمور لا يُفرَض على القاضي اجتنابها، بل يطلب منه الإسهام فيها، بعموم النصوص السماوية والوضعية السالمة من التخصيص والخصاصة.

والممارسة السياسية الممنوعة وضعا على القاضي ليست الفكر السياسي، وليست نقاش العلوم السياسية، وإنما الترشح للمناصب السياسية أو الإظهار العلني لدعم فاعل سياسي معين .

فلا يخرق واجبَ التحفظ أن يكتب القاضي عن نظرية معينة في العلوم السياسية، ولا أن سلوكا معينا مخالف للمبادئ العامة والأخلاق الحميدة أو للأعراف الديمقراطية مثلا…
كأن يقول إن الاستبداد سلوك سياسي تمجه النظم السياسية العادلة
أو أن قلب نظام الحكم بطريقة غير شرعية سلوك تنفر منه الشريعة والقوانين والأخلاقيات.

فلو كان مثلُ هذا الاستخدام للقلم يتنافى وواجبَ التحفظ لما تواترت القوانين الأساسية للملتزمين بالتحفظ أن تضع ضمن شروط قبولهم الحصول على شهادات عليا في تخصصات محددة ومنها العلوم السياسية.

إن ترويج فهم موجه يستهدف إظهار التحفظ على أنه نقطة ضعف عند الملتزم به، وأنه عقدة كبل تجعله عاجزا عن دفع ذبابة نزلت بساحته، أو أنه حكم قضائي مصرِّح بالحجر عليه لسفهه، أو أنه إدانة جنائية سالبة بعض حقوقه، كل ذالك يدخل في ما يمكن أن يعبر عنه بالاستحمار.

إن نطاق التحفظ الواجب على الملتزم به تتحدد معالمه بما يمكن أن نعبر عنه بالامتناع عن هدر الصلاحية،

ذالك أن مقتضى العقد الاجتماعي الملزِم للمتزِم بالتحفظ يقتضي منه صون صلاحيته لوظيفته على نحو المقتضى الشرعي المعروف، والذي يوجب – في إطار الكليات – على المكلف المحافظة على عدالته وتجنب ما يقدح فيها،
وذالك ببساطة لأنه قد يُحتاج إلى شهادته من أجل حفظ دين، أو دم، أو نسب، أو عرض، أو مال ،
فلذالك ينبغي عندئذ أن لا يتعمد موقفا قد يقدح في عدالته.

ولئن تظاهرت التعريفات الفقهية على اعتماد تعريف مختصر للعدل ببيتين من الرجز معروفين للقاضي ابن عاصم، فإنها احتفظت مع ذالك لكل زمن، وكل بلد بخصوصيته على نحو القول الذي عزاه العلامة آدَّ :
واليوم الاولى فيه قول ابن أبي @ زيد وقافيه من أهل المذهب
إن عدم العدول فالأماثل @ لذا به المستأخرون عملوا
عدول كل زمن وبلد @ بحسبه، فبالأئمة اقتد

وذا انطلقنا من ذالك المبدإ تبقى غاية ما في التخفظ ألا يعبر القاضي عن رأيه علنا فيما قد يؤول إليه اختصاما وفق القوانين النافذة يومئذ.

فيجب أن يتجنب النقاش حول التكييف وظروف التشديد و التخفيف، في قضية فلان، ومدى وجاهة الضريبة المفروضة على المؤسسة كذا…،
هذا إذا كان النقاش في سياق قضية معروفة ومحددة بعينها،
وكذالك يجب أن يتجنب النقاش وإبداء رأيه في القرارات الإدارية الماسة للوضعية الفردية لمواطن معين ومعروف باسمه.
ومثال هذا النوع من القرارات، القرار القاضي بفصل فلان ابن فلان من مؤسسته، والقرار القاضي بإلغاء منح القطعة الأرضية رقم كذا باسم فلان لصالح فلان.

وفي المقابل لا يطال واجب التحفظ إبداء الرأي في الأمور السيادية، فلا يختل التحفظ مثلا بسبب إبداء رأيه المتعلق بإعادة هيكلة الحكومة، ولا بالخطوط العريضة لسياستها، ولا بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة كذا…
وذالك ببساطة لأنها أمور سياسية تهمه كمواطن في بلده، يضمن له الدستور حرية التعبير في مجالها، وهي لا تدخل ضمن ولايته الوظيفية محل التحفظ

مع جميع التحفظات القانونية
القاضي محمد ابن الطاهر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: