سلطة القضاء و استقلاليته .. ضمانة للمتقاضي . بقلم القاضي ادو ببانا

 

ان فصل السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية و التشريعية ، و تقوية القاضي و تعزيز استقلاليته .. لم تكن في ذاتها امتيازات للقاضي .. و إنما هي ضمانات للمتقاضي .. و التقصير فيها اهدار للعدل .. و تفريط في حق المتقاضي .. ، ذلك أن إقامة العدل و حماية حق المتقاضي تتطلب انشاء قضاء قوي و مستقل .. لا مطمع لقوي في حيفه و لا يأس لضعيف من عدله .
و على المجتمع و الدولة ان يهبا لرفع أي تهديد لمبدأ الفصل بين السلطات او انتهاك لمبدأ استقلالية القضاء .. ، و ان ينهضا لنجدة القاضي و تقويته حتى يكون قادرا على إنفاذ القانون .. جلدا في تطبيقه على الكافة .. قائما بالقسط بين الناس .. راسخ الساعد شديد العضد .. الكل مسؤول و سواسية امامه .. حينها لن يتجبر نافذ في حضرته .. و لن يفلت غاو من رقابته .. و لن ينقذه من جزائه حضن حصين او ركن شديد !..
العدل اساس الملك ..و قضية مجتمع ، و هو قيمة مثلى يتطلب تنزيلها على الواقع ايمانا بالقانون و وعيا و تسليما بضوابطه و تفييداته .. و جهدا لبناء سلطة قضائية نزيهة و محايدة و مستقلة تتعهد بفض الخصومات .. ، و لا مصلحة لأحد أيا كان .. و لا لأي جهاز مهما كان … في إضعاف مؤسسة القاضي و لا في النيل من شخص القاضي .. لما في ذلك من انتهاك لضمانات العدل المتعارف عليها .. و تعريض الحقوق و الحريات للعبث و السدى .. و للخيبة و الاخفاق .. ، فالتغول و الاستقواء بغير حق على القضاء .. و التمرد على مؤسسة القاضي برفض الانصياع لإجراءاتها … ، و الامتناع عن الخضوع لسلطانها .. و الامساك عن المثول امامها _ بغير حجة… و لا استناد على مشروعية.._ حين تستلزم حاجات العدل فتح القضايا و التحقيقات …، و حرمان القاضي من العدل اذا ما قذفت به الاقدار الى الطرفية في قضية و طلب الانصاف فيها .. ، كل ذلك يجعل التساؤل مشروعا عن مدى قيام سلطة قضائية حقيقية بذات المستوى المكرس في الدستور و في القوانين الأخرى ؟ .. و عن مدى استقلاليتها عن غيرها .. و عن حد قدرتها و امتلاكها للادوات اللازمة للقيام بادوارها المنوطة بها دون الاستعانة بأي جهة لا تخضع لها ؟ .. و عن كيفية قبول البعض بذلك _ او سكوته او رضاه _ من من الزمهم القانون بالدفاع عن استقلالية القضاء او من المتعطشين لها و المنافحين عن الشرعية و قيم الحداثة … ؟
ان حالا كهذا يكشف عن ابرز ملمح من ملامح الأزمة التي تستوطن هذه الأرض و تخيم في عقليات ساكنتها .. ، ففضلا عن غياب التوازن المخل بين السلطات .. فإن الاعتياد على نظرة الامور من زاوية استيراتيجية فردية تركز على مجرد الأبعاد و المزايا الشخصية الراهنة .. تجعل البعض يستسيغ الإذعان و الانجرار في مشروع الاعتداء و الاطاحة بسلطة محورية ” القضاء ” ، و إعاقة عملها تجاهه مستخدما القوة و النفوذ .. دون اعتبار منه لما قد ينجر عن ذلك من أضرار تقوض الشرعية و تهد اساس العدل .. و تدك الأمل في دولة القانون ..
ان دولة المؤسسات المرادفة لدولة القانون .. لا تتصادم فيها السلطات و لا المؤسسات و إنما تتعاون .. و لا يسعى بعضها لاجهاض البعض و لا لمصادرة سلطاته و لا يزدريه ، فلكل منها مكانتها التي لا غنى عنها .. ، و تعمل جميعها وفق ضوابط و اعتبارات الشرعية و الملاءمة … يوازي بعضها الآخر .. و يتبع فيها البعض للآخر و يخضع له في إطار من التناغم و الانسجام التام الذي لا حساب فيه للعصبيات القطاعية .. و لا مكان لغير احترام القانون و السعي للصالح العام .. و لضرورات خدمة الأرض و الإنسان ..

لن يتمكن القضاء من حراسة الحقوق و لا من حماية الحريات بالشكل المعهود به إليه طبقا للمواثيق الدولية و الاعلانات العالمية و الدساتير المعاصرة .. الا اذا كانت الظروف و سياقات العمل تؤيده و تسمح له بذلك .. ، و سيتأثر حزم القضاء و قدرته في تدبير العدل و في نجدة الملهوف بقدر ما في معاصمه من اغلال و قيود تحد من إطلاق سلطته و حكمه للجميع .. ، و المصلحة التي لا خير و لا نفع بعدها للجميع هي العمل على بناء قضاء قوي و مستقل يكون عربة امامية تقود قاطرات القطاعات الأخرى نحو شواطئ الحق و الاطمئنان .. و يستفيد الكل من سلطته و ترشيده لدك الظلم و الحيف و التعسف و الاضطهاد .. ، و من يدري أن الذي يدوس القضاء اليوم .. و يصر على تصفيده و حجزه عن مهامه .. او يرفض اسعافه و مساعدته للنهوض بها قد لا يحتاج في الغد القادم لصولة قوية من القضاء تنصفه اذا ما اظلته المظالم و حاصرته خطوبها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: